عندما نتحدث عن السينما المصرية، لا يمكن أن نتجاوز اسم محمد عبد العزيز، المخرج الذي حوّل الكوميديا إلى لغة فنية تتجاوز حدود التسلية، لتصبح مرآة للمجتمع، ومرجعا للتأمل في سلوكيات الإنسان، وممارسة نقدية ساخرة، لكنها بالغة الجدية.
رحلة عبد العزيز مع السينما بدأت على نحو غير تقليدي؛ فالكوميديا، التي أصبحت توقيعه الفني، لم تكن اختيارا في البداية، بل جاءت إليه كقوة صامتة، جذبته إليها إذ قال خلال ماستركلاس “أسرار صناعة الكوميديا” الذي أداره الناقد أسامة عبد الفتاح “لم أذهب إلى الكوميديا، بل جاءت إليّ”.
فبعد تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية، مضى عبد العزيز في طريق التراجيديا حيث قضى سنتين ينهل من خبرات صناع السينما الذين عمل معهم مستفيدًا من صبرهم وفهمهم العميق للشخصية البشرية، محاولًا صقل رؤيته الفنية، وتعلم كيفية إدارة المشهد، ورسم التفاصيل الدقيقة التي تمنح العمل الدرامي صدقيته وقوته.
ولكن القدر السينمائي كان يحمل له مفاجأة؛ فبينما كان يمشي في دروب التراجيديا، دقّت الكوميديا بابه، بهدوء، وبجرس مختلف، جاءه هذا النوع الفني مع تشجيع من المخرح الراحل حلمي حليم الذي قال له بصراحة: “لازم تخرج أفلام كوميدية”.
هنا بدأ عبد العزيز رحلة جديدة، طويلة ومعقدة، لكنها كانت تحمل في طياتها مفتاح فهم الجمهور، ومفتاح القدرة على التأثير الاجتماعي، وأصبح مخلصا للكوميديا، لكنه لم يتخل عن التراجيديا، التي استمرت في التسلل إلى أعماله، تضيف عمقا عاطفيا ودراميا يوازن بين الموقف الهزلي والجدية الإنسانية.
وبالنسبة له، الكوميديا، رغم شكلها المرح، أشد جدية وصرامة وحسمًا من التراجيديا نفسها، لأنها تتعامل مع المجتمع بجرأة، تفضح الشخصيات أمام الناس، وتناقش السلوكيات الخاطئة، وتكشف عن التناقضات التي يعيشها الإنسان، وهي ليست مسخرة مفرغة من المعنى، بل هي فن يرتبط بالهدف الاجتماعي، وبالنقد الأخلاقي، وبفهم السياق الذي يعيش فيه الإنسان.
وفي فلسفته يستند عبد العزيز إلى قاعدة أساسية وهي أن الضحك الحقيقي لا ينمو إلا في بيئة اجتماعية حية، حيث تتفاعل الشخصيات مع المجتمع، وينعكس الواقع في المشهد الفني.
وربما هذا ما يفسر قلة الأعمال الكوميدية الصادقة، لأنها تتطلب مواجهة الواقع بكل تناقضاته، ومناقشة سلوكيات الناس بطريقة صريحة وموضوعية.
ومن هذا المنطلق، صاغ عبد العزيز أعماله التي تعكس المجتمع الذي يعيش فيه، وتعالج القضايا اليومية التي قد يغفل عنها الآخرون، إذ تتسم أعماله الواقعية، وبالقدرة على المزج بين الفكاهة والنقد الاجتماعي.
وغالبا ما يشرح السلوكيات الخاطئة، ويكشف عن النفاق والمظاهر الزائفة، بطريقة صريحة، لكنها مضبوطة بدقة فنية عالية، بحيث يتحول الضحك إلى أداة للتفكير، والمرح إلى نقد اجتماعي.
وفي هذا السياق، يعتبر أن الضحك ينبع من موقف، ومن سلوك الشخصية وليس من الفراغ وأن الكوميديا ليست تهريجا، بل رسالة حقيقية لتظهر قدرته على تحويل الموقف الكوميدي إلى خطاب جاد، يغذي وعي الجمهور ويجعله يتأمل في سلوكه وسلوك من حوله.
ولكن، كما يوضح عبد العزيز، صناعة الكوميديا ليست سهلة، فهي تتطلب ضبطًا شديدًا للممثلين، لأن أي انفلات وراء الإيفيهات غير المحسوبة قد يضعف العمل ويشوه رسالته، إذ يقول صراحة إن التحدي الأكبر للمخرج في الكوميديا هو التعامل مع الممثل، وإنه لا بد من فرض لجام على الممثل، وإلا سيحاول الانطلاق وراء الإيفيهات بلا توقف.
هذه الرؤية تجسد فهمه العميق للطبيعة البشرية وللكوميديا في الوقت نفسه؛ فالممثل يحتاج إلى حرية الإبداع، لكنه أيضا يحتاج إلى إطار يحافظ على النص والرسالة، ويحول الضحك إلى قوة فنية تعمل لصالح الفيلم والجمهور معًا.
رحلة عبد العزيز الطويلة مع الكوميديا جعلته يقترب من قلب الجمهور، ويقرأ نبضه بدقة فهو يعلم أن الضحك الحقيقي يولد من مواقف حقيقية، من سلوكيات ملموسة، ومن نقد موضوعي للواقع، بعيدًا عن التهريج والضحك السطحي.
ومن هنا تنبع عبارته الشهيرة “اضحك بدل ما تموت”، التي لا تتعدى مجرد دعوة للتسلية، لتشكل فلسفة كاملة للحياة، تجمع بين مواجهة الواقع، ونقده بوعي، والاحتفاظ بالقدرة على المرح، حتى في أصعب اللحظات.
على مدار مسيرته، استطاع عبد العزيز أن يجعل من الكوميديا منصة لفهم المجتمع، وتحليل سلوكيات الإنسان، وطرح الأسئلة الكبرى عن الأخلاق والقيم والتناقضات اليومية.
وأعماله تمزج بين الفكاهة والجدية، بين الترفيه والرسالة، بين النقد الاجتماعي والعاطفة الإنسانية وهو المخرج الذي يرفض أن تكون الكوميديا مجرد تسلية، ويؤمن بأنها مسؤولية فنية وأخلاقية قبل أن تكون ممتعة.
ما يميز عبد العزيز أيضًا هو قدرته على مماهاة خبراته التراجيدية وفهمه العميق للكوميديا، ليصنع أفلامًا قادرة على مزج المشاعر، حيث يمكن للمشاهد أن يضحك بينما يفكر في الوقت نفسه، أن يستمتع بالموقف، بينما يدرك رسالته العميقة. إنه مخرج يرى أن الفن ليس أداة للهروب من الواقع، بل وسيلة لمواجهته، بأسلوب ممتع وراق، وبوعي اجتماعي كامل.
ومحمد عبد العزيز نموذج فريد للمخرج الكوميدي الذي تتحول الكوميديا في يده إلى مرآة المجتمع، وأداة للوعي، ووسيلة لفهم الإنسان، إنه مخرج يجعل من الضحك جسرًا بين الجمهور والفن، بين المتعة والفكر، بين الواقع والمسرح، ويحافظ على مصداقية الرسالة، وصدق التجربة، وروعة الأداء.
وفي عالم السينما، حيث قد تتحول الكوميديا أحيانًا إلى مجرد ترفيه سطحي، يظل عبد العزيز مثالا على المخرج الذي يفهم أن الضحك الحقيقي جدّي، وأن الكوميديا مسؤولية قبل أن تكون متعة، وأنها،أخيرًا، فن الحياة نفسها.