مصر/الجونة_في فيلمها الأول “Happy Birthday” (عيد ميلاد سعيد) الذي افتتح مهرجان الجونة السينمائي تمسك سارة جوهر بالكاميرا كما تمسك طفلة شمعة تذوب ببطء، تنظر إليها بدهشة وخوف، وتؤمن بأن النور الساطع منها كفيل بأن يبدّد العتمة.
أمام عدستها تتشكل حكاية “توحة” الطفلة التي ألقت بها الحياة في أتون الخدمة في منزل تجاور فيه الطفلة “نيلي” التي تقف على النقيض الآخر منها وتتبدى صورة القاهرة المنقسمة بين صمت الفقر وضجيج الرفاه.
سيل من التناقضات يتناثر على وقع الهوة بين عالمين يوجدان على المسافة ذاتها ولا يلتقيان إلا في لحظة خاطفة من وهم العدالة فيما تتخذ الأمنيات وجوها مختلفة تنهل ملامحها حينا من الخصاصة وحينا آخر من البذخ.
في عالم لا تتكافأ فيه الحياة بين قلبين صغيرين، تفجّر “توحة” سؤالا عن معنى التمني وتتشظى حروفه لتغدو خيوطا تنسج بقية الحكاية التي تنهل من نفس وجع السؤال البريء والمربك.
وفيما تتمنى “نيلي” ليتحقق حلمها يرتسم في عيني “توحة” إدراك بأن التمنّي شيء تريده ولا يتحقق، ويبدل القدر مساره لتبتسم إحداهما فيما تستحيل العادية حينما تريدها الأخرى.
لغة بصرية بسيطة ومقاربة إنسانية لا تُغرق في الميلودراما، تستدعيها سارة جوهر لتبني الفضاءات التي تتحرك فيها الشخصيات بين المنزل الحديث المترف ببروده والمنزل الرث المشحون بالدفء غصبا عن الحاجة.
في الفضاء الأول تتحرك “توحة” وهي تستذكر دائما حدودها وتجتمع كل المواقف لتقنعها أنها لن تنتمي إليه، وفي الثاني تمضي دون قيود وتتظافر كل الأحداث لتؤكد لها أنها لن تغير واقعها بأمنية.
ومن دائرة الظل التي تعيشها وسط طبقة تلفظها كلما حاولت أن تدنو من تخومها، تخرج إلى الضوء وتتورط في خطة إقامة عيد ميلاد للطفلة “نيلي” التي بنت معها صداقة اهتزت عند أول اختبار.
في الأثناء لم تعد كيانا يمتص الأوامر بل انتقلت إلى صناعة المعنى حيث يكمن كنه الفيلم في التحوّل البسيط الذي يجعل من “عيد ميلاد” حدثا يعرّي كل التناقضات الاجتماعية في المجتمعات العربية بوجه خاص.
ولعل الأداء المذهل للطفلة ضحى رمضان مفصل مهم في الفيلم لكونها المحرك لكل الأحداث، وهي لا توحي بأنها تمثل وتتنقل مع الشخصية بانسيابية ومرونة تتجلى معهما هشاشة الطفولة حين تكتشف موقعها في الهرم الطبقي.
في نظراتها، يتقاطع الوعي بالصدمة، والكرامة بالخضوع، والطفولة بالمسؤولية السابقة للأوان وهي الشاهدة على عالمين تفصل بينهما بوابة لا تستوعب إلا السيارات الفارهة ونظرات ازدراء تنخر أجساد الآخر المختلف.
وعلى نسق بناء درامي يعتمد على ما لم يقل يظهر السيناريو الذي كتبته سارة جوهر ومحمد دياب مقتصدا ومشحونا بالترميز والتدليل، وتمثل فيه مساحات الصمت مساحة يختبر فيها المشاهد تساؤلاته الخاصة.
لماذا تمتهن “توحة” الخدمة في بيت “نيلي”؟ من المسؤول عن خدمة طفلة لطفلة مثلها؟ وكيف يتحوّل الفقر في المجتمعات العربية إلى قدر موروث يرتوي من الصمت؟ هذه الأسئلة لا قد لا تجد إجابة مباشرة.
لكن المتمعن في تفاصيل الفيلم يدرك أنه لا يحتاج هذه الأجوبة ذلك أن جماليته تقوم على تغيير التفاصيل لخلق ضباببة وغموض مقصودين يؤديان إلى إقحام المشاهد في إعادة تركيب الحكاية.
وفي البنية البصرية، تُبرز جوهر التناقض وتتلاعب بالألوان وحركة الضوء لتتبدى الألوان باهتة في البيت الفخم وتشي بحالة البرود فيما تتوهج الضوضاء والأتربة في الحي الفقير والمنزل الرث الذي يؤويه.
بين البرودة والعزلة، واللُحمة والدفء، تقف كاميرا سارة جوهر لتصنع من هذه الثنائية مقاربة فلسفية تترنح بين الجمالية والقبح وتنفض كومة القش عن هاوية بين عالمين تتنازع فيهما المظاهر مع المشاعر.
وفي “عيد ميلاد سعيد” تحول الحدث الاجتماعي إلى طقس لتعرية وهم العدالة فالطفلة ” توحة” نفخت في روح عيد الميلاد حينما حاولت ليلى أم “نيلي ” إلغاءه من أجل أن تحظى بشمعة تشعل بها أمنية حينما تطفئ لهبها.
لكن يتضح أنها كانت تربي الأمل في غير مكانه وهي تساوم على طفولتها وراحتها كي تبتاع لحظة فرح مستعارة، لتجد نفسها خارج بوتقة الاحتفال ويختزل وجهها الصغير كل مآسي العالم.
وحينما تتجمد الكاميرا على وجهها وهي تدرك أن “الأمنيات لا تتحقق”، تنفجر ذروة المأساة في صمت يتحول معه الألم إلى جمالية تريك المشاهد وتزعزع إنسانيته على أعتاب طبقة مقيتة.
من خلال انصهارها مع شخصية “توحة” ، تعيد ضحى رمضان تعريف مفهوم الطفولة فنقلتها من منطقة البراءة وإثارة الشفقة لتصير عينا كاشفة ترى العالم بوضوح موجع.
وفي المقابل، تؤدي خديجة أحمد دور نيللي ببراءة متناقضة تكشف هشاشة الامتياز الطبقي حين يسكن جسد طفلة، لا تلعب “الثرية الصغيرة” كما نعرفها في الكليشيهات، بل تجسّد براءة مشوشة.
العلاقة بين “نيلي” و”توحة” تشبه رقصة على حبلٍ مشدود بين الحنان والاستغلال، بين المشاركة في اللعب والمباعدة في القدر، فيما
تبدو (نيللي كريم) في دور “ليلى” والدة نيلي رمزا للطبقة التي تخلط بين الرحمة والهيمنة، بين التعاطف المعلن والاستغلال المقنّع، فهي قادرة على التأثر من أجل توحه في موقف ما، لكنها عاجزة عن الاعتراف بحقها في الكرامة.
في وجهها انعكاس لصراع خفيّ بين الذنب والأنانية، وفي نبرتها قسوة مغلّفة بالعطف، هي نموذج لطبقة تُقنّع الهيمنة بالرحمة وتؤمن بأنها تنقذ الآخرين فيما هي تعيد إنتاج ظلمهم.
وفي البناء العاطفي للفيلم تظهر حنان مطاوع في دور أم “توحة” بوجهها المثقل بتعب الحياة، وروحها المتأرجحة بين وطأة الفقر وحمل الأمومة.
وفي الضفة الأخرى تظهر حنان يوسف في دور جدة “نيلي” وتجسد استغلال الطبقة الثرية للطبقة الفقيرة بكل سلاسة تظهر معها القسوة في كل ملامحها في ذروة تواطئها مع القدر لتدوس على أمنية “توحة”.
وفي الحضور الذكوري ، يظهر صديق “توحة” (فارس عمر) ووالد “نيلي” (شريف سلامة) ليشكلا منعرجات في الحكاية، فالأول كان سندها في رحلة اقتفاء الأمنية والثاني صرخ عاليا في وجه الطبقية في أداء صادق وهادئ.
وعلى ناصية التضاد يصوغ الفيلم نقده الأعمق للطبقية التي تتزيّن بالقيم الإنسانية فيما تواصل إعادة إنتاج الظلم، ويُقارب المسألة الطبقية بعيون نسائية ونبرة طفولية تفتح سبلا للتفكير في البنى المجتمعية.
وجمالية الفيلم لا تتعلق فقط بموضوع الفيلم بل تنسحب على الإخراج والتصوير والإيقاع، وتتحرك الكاميرا برفق، كأنها تخشى أن تكسر الهشاشة المستفحلة، وينساب المونتاج كأنّه نفس الطفلة، متقطع حين تتعثر، ومنساب حين تحلم.
وفي النهاية، حين تتقد شمعة يتيمة على أعتاب كعكة عيد ميلاد ظلت طريقها إلى “توحة” كل شيء يوحي بالتعب فيما تفيض نظرتها أسئلة عن أمنية طفلة لا تمتلك حق الحلم ويتبدد وهم العدالة.