في مهمة إنسانية مفتوحة على كل الاحتمالات ومحفوفة بالمخاطر، يتجلّى الحضور التونسي النسائي في أسمى صوره، من خلال مشاركة ألفة لملوم وسيرين الغرايري وفداء عثمني ضمن أسطول الصمود العالمي لكسر الحصار عن غزّة.
ثلاث تونسيات حملن الوطن في قلوبهن، والإيمان بعدالة القضية الفلسطينية في أفعالهن واخترن ألا يكتفين بالشعارات ولا بالمواساة من بعيد، بل أن يحوّلن التضامن إلى فعل ملموس، إلى سفر محفوف بالرجاء والخطر معًا وانتهى الأمر باعتقالهن من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.
على متن السفن التي تمخر البحر نحو سواحل محاصَرة منذ سنين، كان حضورهنّ درسًا في الالتزام وفي الصبر وكن امتدادا لصوت كل امرأة تونسية ترى في فلسطين مرآة للكرامة والحرية.
فداء عثمني، بصمتها الصارخ وإصرارها الصلب، لم تكن مجرّد مشاركة في بعثة إنسانية، بل روحًا منفتحة على معنى الفعل الإنساني في أقصى تجلياته.
في خطواتها وابتسامتها الخافتة تتجلى إرادة الحياة، وهي تواجه الأمواج بتوازن من يعرف أن المعركة ليست فقط مع البحر، بل مع العالم الذي يشيح بوجهه عن الظلم.
دون صخب، كلما أطلت فداء كانت تستحضر فلسطين، الأرض والحق والكرامة وهي تعي جيدا أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن التضامن الحقيقي لا يقاس بالشعارات، بل بالفعل الميداني الذي يتحدى الخوف واليأس.
أما ألفة لملوم، فحضورها كان امتدادًا لمسار طويل من الالتزام المدني والفكري، تختبر فيه المعنى الحقيقي لنكران الذات، وكان في سكونها قوة، وفي عزمها الهادئ إيمان لا يتزعزع بأن العدالة ليست حلما مؤجلا بل مسؤولية آنية.
لم تسعَ إلى الظهور ولا إلى الأضواء بقدر سعيها إلى ترك أثر يشبهها، صادقا، وعميقًا، ومؤمنًا بأن التغيير يبدأ من الفرد حين يقرر أن يشارك لا أن يراقب.
أما سيرين الغرايري، بابتسامتها الصامدة وحضورها الواثق، فقد كانت همزة وصل بين الأسطول ومتربي أخباره، وفي لحظات الخوف والانتظار.
كانت كلماتها كالصخرة التي يستند إليها الجميع، تذكّرهم بالهدف الأسمى: غزّة، الإنسان، والكرامة وكان في حضورها إشراق، وفي صوتها طمأنينة تُبدد القلق وتزرع في الآخرين الأمل.
كل ساعة في عرض البحر كانت اختبارا جديدا للإرادة، وكل موجة كانت تذكيرا بأن الطريق إلى الحرية محفوف بالشكّ والخطر وماعاد البحر مجرد مياه متلاطمة، بل صار مساحة رمزية لاختبار القيم، وللثبات، وللإيمان بإنسانية لا تعرف الحدود.
ورغم التعب والخوف من المجهول، ظلّ دافعهم جميعا أكبر من أي ألم شخصي، كانوا يعلمون أن الرحلة نحو فلسطين ليست فقط جغرافية، بل رحلة نحو الذات، نحو ما تبقّى من ضمير العالم.
على امتداد الأيام الطويلة في البحر، جسّدت فداء وألفة وسيرين صورة المرأة التونسية في أبهى ملامحها: حاضرة في الصفوف الأمامية، متجذّرة في القيم، ومؤمنة بأن التضامن لا ينفصل عن الكرامة، وأن الدفاع عن الحق فعل من أفعال الحياة نفسها.
اليوم، حين نذكر أسماءهن، لا نذكر ثلاث نساء فقط، بل ثلاث تجسيدات لفكرة واحدة: أن الشجاعة لا تكمن في طمس الخوف، بل القدرة على تجاوزه، وأن الحرية لا تُنال بالتمني بالانتظار، بل بالإقدام، وأن المرأة التونسية، كما كانت دائمًا، قادرة على أن تكتب فصلًا جديدًا من فصول النضال الإنساني .
فداء، وألفة، وسيرين… ثلاثة أصوات تُبحر ضد التيار، وتعيد تعريف معنى الصمود، وتؤكد أن التضامن حين يصدر من القلب، يتحوّل إلى فعل يُحرك التاريخ.