القاهرة / يبدأ فيلم “فلانة” للمخرجة زهراء الغندور من تلك المنطقة التي يستعر فيها الصمت وتحترق الكلمات، من مساحة رمادية بين الذاكرة والنسيان، حيث تقف امرأة على عتبة بيت طفولتها في بغداد بعد أعوام من رحيل صديقتها الموجع.
عودة “زهراء” ليست بحثا عاديا عن صديقة اختفت، بل هي محاولة لاستعادة جزء من ذاتها، الجزء الذي ظلّ مشدودا إلى أوّل خوف وأوّل خيبة وأوّل علامة على أن الزمن لا يمرّ دائماً بسلام.
وحينما حطّت قدماها داخل البيت المثقل بالذكريات والعبرات، استيقظ الماضي من بين الغبار والظلال ونزع عنه الحنين وصار محض عبئ ينتظر المواجهة.
البيت الذي تركته زهراء وراءها أكثر من مجرد جدران، هو خزّان للحكايات التي لم تُروَ، وملجأً لنساء مررن من أمام عين طفلة لم تستطع أن تفهم حينها أن في نظراتهن ما يوجع أكثر مما القول.
في مستهل الفيلم الذي عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ضمن مسابقة آفاق السينما العربية، تعانق كاميرا زهراء وجه خالتها القابلة، المرأة التي امتلكت سلطة خفية على أسرار الحيّ، والتي عرفت، ربما أكثر من الجميع، أن الحياة التي تمنحها للأخريات لا تخلو من موت آخر يترك ندبة على الروح.
هذه المرأة ليست شخصية عابرة في حياتها، بل مفتاح لأسئلة تنام منذ سنوات تحت طبقة كثيفة من الصمت، ومع كل انغماسة في دهاليز المكان القديم، تشعر وكأن الزمن يتراجع، وكأن الحكاية التي ظلت محجوبة تستعد للبزوغ.
وفي الأثناء تبدو رحلة البحث عن “نور”، الصديقة التي رحلت فجأة، كأنها شرارة صغيرة تضيء مساحة واسعة من العتمة، هذه الغائبة حاضرة في كل التفاصيل ليحاكي غيابها الجرح المفتوحة الذي يتجاوز حدود شخصية واحدة ليعبّر عن سلسلة طويلة من الاختفاءات التي التهمتها الحروب والسلطة والمجتمع.
وعنوان الفيلم “فلانة” يكشف مبكرا أن الحكاية ليست عن امرأة واحدة، بل عن كل امرأة اختفت أو أسقط اسمها عمدا من الذاكرة الجماعية، وهو ما يجعل “نور” تتجاوز كونها فتاة تعلقت بها “زهراء” أيام الطفولة لكونها رمزا لسيرة وجع ظل لفترة طويلة خارج السرد وكأن التاريخ نفسه تواطأ على حجبه.
وفي خضمّ رحلة البحث عن “نور” يظهر وجه جديد يربط الماضي بالحاضر “ليلى”، الفتاة ذات الاثنين والعشرين عاماً، التي تحمل على جلدها آثار نظام اجتماعي قاسٍ، وفي صوتها ارتجافاً يشبه خوفاً موروثاً من أجيال واجهت الحرب أكثر مما واجهت الحياة.
“ليلى” ليست مجرّد شخصية موازية، بل هي الامتداد الطبيعي للسؤال الذي يطرحه الفيلم: ماذا فعلت الحروب بالعراق، ليس في جغرافيته ولا في خرائطه السياسية، بل في نسائه؟ ومن خلال “ليلى”، يقدّم صورة جيل كامل ولد في ظلّ العنف، ووجد نفسه محكوماا بأعراف أشد قسوة من الحروب نفسها.
وفيما تقتفي الكاميرا أثر الوجع في نظراتها وإيماءاتها وسكناتها وحركاتها تكشف قصتها ببطء كيف أن الأمهات، بدافع الخوف أو اليأس، اضطررن إلى التخلي عن بناتهن تحت ضغط اجتماعي واقتصادي لا يرحم.
ومن هذا المنطلق يتعدى فيلم “فلانة” فكرة البحث عن صديقة غائبة ألى مرآة تعكس الوجع الحقيقي لمأساة مستترة بما يكفي لتتوه في غياهب الذكورية ووسط زحام الاقتتال والتناحر.
واللغة البصرية للفيلم تنسجم مع عمق موضوعه ورهافته فالإضاءة خافتة تلامس الأشياء بالكاد، والتفاصيل تتقاطع فيها الظلال كما تتقاطع الحكايات، والشقوق التي تزين الجدران تبوح دون رغبة
كل هذه العناصر تمنح الفيلم طابعا يشبه الرثاء، وكأن الكاميرا تمارس طقسا من طقوس الحداد على سنوات انكسرت فيها أرواح كثيرة ويرشح كل مشهد في الفيلم بذاكرة الأجساد : خطوات زهراء فوق الأرض الترابية، صوت باب يئنّ كلما فُتح، صمت طويل يستقر فوق الوجوه كأنه قدر لا يمكن الهرب منه.
حتى الحديث القليل بين الشخصيات يأتي كاعتراف متردد، كأن الكلمات تخشى أن تغادر الحناجر في واقع يؤوي مقبرة تحمل اسم “المنبوذات” في إشارة لكل إمرأة لم يرض عنها المجتمع.
وفي خلفية هذه التفاصيل الموحية، تتحرك بغداد كجسد منهك، لكنها أيضا كحنجرة ما تزال تحتفظ بقدرتها على الصراخ، فالمخرجة لا تتعامل مع المدينة كفضاء للتصوير بل روحا تحمل ملامح التعب وأثر الخراب.
وزهراء الغندور ترى في التفاصيل من حولها ما يشبه الأمل المكسور، ذلك الأمل الذي يظهر في لحظة عابرة ثم يختفي، مثل “نور” نفسها، وفي هذا الجمع بين الألم والرجاء، يخلق الفيلم مساحة بصريّة تنتمي إلى الشاعرية أكثر مما تنتمي إلى الواقعية، دون أن يفقد اتزانه.
والفيلم يتقدم ببطء محسوب، وكأن الزمن داخل الحكاية يرفض أن يسير بخفة، بطء ضروري لا يضعف الفيلم بقدر ما يتيح للمشاهد أن يمسك بالأحداث وينغمس فيها، أن يشعر بالارتباك الذي يتسلل إلى قلب زهراء كلما ظنت أنها تقترب من الحقيقة.
والحقيقة في “فلانة” ليست لحظة انكشاف، بل عملية شاقة من الاعتراف، اعتراف بأن ما فُقد لا يعود، وبأن ما انكسر لا يُصلح بسهولة، وبأن الحكايات أحياناً لا تكتمل حينما تولد في مجتمعات تزدري الإناث.
ومع اقتراب الفيلم من نهايته، لا يقدّم إجابة واضحة عن مصير “نور”، ولا يعرض خلاصاً مفاجئاً، على العكس، يبدو وكأنه يقول إن الغياب جزء من وجود كثير من النساء في المجتمعات الهشة، وإن السؤال أبقى من الإجابة.
و”فلانة” يعيد الاعتبار لفكرة أن الحكاية الحقيقية ليست في معرفة ما حدث، بل في فهم الظروف التي جعلت ما حدث واقعا ولذلك لا يوزّع الفيلم اتهاماته، ولا يرفع أصابع الإدانة، بل يضع المشاهد في مواجهة مرآة واسعة يرى فيها أثر نظام أبوي ترسّخ في ظلّ الحرب، دفعت النساء ثمنه جيلاً بعد جيل.
وهو ليس سرد سينمائي فقط بل تجربة وجدانية تسائل فيها السينما الواقع وتفتح النوافذ التي أُغلقت طويلاً، وترمم ما تشظى في الداخل، هو احتفاء هادئ بالمرأة العراقية التي قاومت كثيرا بصمت، والتي ظلت رغم كل شيء قادرة على أن تتلمّس الطريق نحو الضوء، حتى لو كان الضوء خافتاً ومرتجفاً.
ولهذا الفيلم قدرة على البقاء في الذاكرة، لشاعريته وصدقه وإيغاله في جرح حي ولأنه ينحني أمام النساء اللواتي لم تُكتب أسماؤهن، ويرفعهن، لأول مرة، إلى شاشة كبيرة تعترف بوجودهن.
“فلانة” فيلم يُرى بعين القلب، ويترك في الروح أثرا يشبه الوشم في يومه الأول واضح ومؤلم لكنه يعني لصاحبه الكثير، فحكاية الزهراء عن العراقيات المختفيات لا تشبه غيرها، وتنضاف إلى قائمة الحمايات التي تهز المشاهد من الداخل.