
بقلم آية البوغانمي*
على رمال بحر منطقة ملولة من معتمدية طبرقة يجلس عماد (46 سنة) متأملا بحرا بات غريبا عنه، رغم خبرته التي تتجاوز الثلاثين سنة كصياد تقليدي ورئيس مجمع. احترف عماد مهنة الصيد في سن 16 سنة، كانت بمثابة شغف متوارث بين افراد عائلته، لكن ذلك في زمن كانت تعود فيه شباك الصيد مثقلة بخيرات البحر، أما اليوم غالبا ما تعود شبه خاوية.
“الحالة التي بلغها البحر اليوم لم نعهدها من قبل، اصاب التصحر عدة مناطق في طبرقة، وأصبحت خالية من الاسماك تماما. تغيرت مواسم الصيد، حتى أنواع الأسماك التي عهدناها تغيرت…” هذا ما قاله عماد بنبرة ملأها التعب.
عماد ليس حالة معزولة، بل هو نموذج من منظومة صيد تقليدي تضم 44 ألف صياد تونسي منتشرين على طول الشريط الساحلي، حسب احصائيات المرصد الوطني الفلاحي سنة 2023. فأمام الظواهر المناخية الغير مألوفة، والاضطرابات المتكررة في التيارات البحرية، وارتفاع درجات الحرارة، تقف معتمدية طبرقة مثلها مثل باقي المناطق الساحلية مواجهة تغيرات مناخية لا ترحم أثرت بشكل مباشر على نشاط الصيد البحري التقليدي في تونس.
التغيرات المناخية تفرض نفسها على شباك الصيادين
تعرف منظمة الأمم المتحدة التغيرات المناخية على انها “التغيرات طويلة الأمد في درجات الحرارة وأنماط الطقس”. بدأت ملامح هذه التحولات منذ بداية العشرينات، وتعد منطقة البحر الأبيض المتوسط من أكثر المناطق تأثرا بهذه الظاهرة.
بالنسبة لتونس، لم تكن التغيرات المناخية مفهومة بالنسبة للصيادين التقليديين فهي ظاهرة غريبة عنهم. يقول الخبير البيئي حمدي حشاد في هذا السياق: ” أخذت هذه التحولات في التجلي تدريجيا في أواخر العشرينات، في تلك الفترة عندما تتحدث مع البحار يقول ان هناك بعض أنواع الأسماك والكائنات البحرية التي نقص تواجدها في مناطق الصيد التقليدي، إضافة الى التقارب الملحوظ بين فترات التكاثر الخاصة بها، ولكن حينها لم يكن يتبادر الى ذهن الصياد ان هذا الاختلال مرتبطة بالتغيرات المناخية”.
رغم ان التغيرات المناخية ظاهرة تمس الجميع، الا ان وقعها على الصيد التقليدي أشد وطأة، حيث خلق مشاكل جادة، أولا، ارتفاع درجات حرارة البحر الأبيض المتوسط خلال القرن الماضي التي بلغت 1.5 درجة مئوية، وفقا لتقرير نشرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تسبب في مشاكل عديدة اثرت مباشرة على نشاط الصيد التقليدي في تونس فتغيرت مواسم الصيد وهاجرت الأسماك التي كان الصيادون معتادين على صيدها وظهرت أنواع أخرى غريبة عنهم مثل السلطعون وسمكة الارنب وغيرهم… يقول عماد:” تغيرت التركيبة البحرية وأصبحت تتواجد كائنات جديدة حسب المنطقة مثلا في الجنوب التونسي أصبح لديهم السلطعون بأعداد كبيرة، نحن في طبرقة لدينا كمية اقل لكن لدينا أيضا كائنات دخيلة مثل ابو منقار، هي صالحة للأكل لكنها رخيصة من حيث الثمن تبلغ 3 دينارا للكيلوغرام الواحد. بالنسبة لسلطعون داعش صحيح انه أصبح منذ فترة مورد رزق محترم للصياد لكنني شخصيا اعتبر سلبياته أكثر من ايجابياته لأنه كائن مخرب حيث يمتلك مخالب حادة جدا تمزق الشباك ويسبب خسائر في معدات الصيد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يهدد التنوع البيولوجي بافتراسه للأسماك والكائنات الأخرى.”

ثانيا، نقص التيارات البحرية المرتبطة بدورها بالتغيرات ونقص الرياح السطحية التي تتسبب في تراجع وفرة الأسماك فبعضها قد يختفي من مناطق تواجده المعتادة وهذا يصعب على الصياد التقليدي تحديد أماكن الصيد. وتأكيدا لذلك يقول محمد (32 سنة) وهو صياد من ولاية صفاقس:” من اغرب الظواهر التي نشهدها الان وتدل بوضوح على التأثير الشديد للتغيرات المناخية على تركيبة الحياة البحرية هي تواجد القرنيط (الاخطبوط) الان في أشهر الصيف بأعداد كبيرة جدا اي خارج موسمه وهذا ينطبق على معظم أنواع الأسماك التي نصطادها عادة، أي ان التغيرات المناخية تسببت في تغير مواسم التكاثر وهذا نتج عنه تغير مواسم الصيد.”
بالموازاة مع ذلك، نشرت مجلة PLOS ONE دراسة اثبتت أنه في الخمسين عاما الماضية تراجع التنوع البيولوجي في مياه البحر الأبيض المتوسط بنسبة نقارب 34 بالمائة والتغير المناخي يعد سببا رئيسيا في ذلك.
ونذكر كمثال المجمع الذي يترأسه عماد في منطقة ملولة والذي يضم 70 صياد سمك تقليدي، كان يبلغ انتاج القرنيط (الأخطبوط) الـ 10 طن لكن الان لا يتجاوز الإنتاج 2 طن في موسم الصيد كاملا من شهر نوفمبر تقريبا الى منتصف شهر افريل وهذا خلل واضح. وسمكة الشليمون أيضا كان يبلغ انتاجها 20 طن الان لا يتجاوز الواحد او اثنين طن كحد اقصى.


“الصيد لم يعد مورد رزق”
الواقع الاقتصادي والاجتماعي للصيادين التقليديين في تونس يجعلهم عرضة للفقر أكثر مقارنة بباقي الفئات، يقول مازن، وهو صياد من ولاية المنستير:” أصبحنا من الطبقة الفقيرة التي تعاني.” مضيفا ان الصيد التقليدي لم يعد مهنة تمثل مورد رزق يمكن ان يعيش منه الصياد فدخلها جد ضعيف.
زد على ذلك التغيرات المناخية التي أنهكت البحر والبحّارة معا وجعلت منهم طبقة هشة بسبب نفوق الأسماك نتيجة لارتفاع درجات حرارة مياه البحر وتحطم معدات الصيد بسبب التيارات البحرية القوية. وفي هذا السياق يؤكد الخبير البيئي حمدي حشاد على ان قطاع الصيد البحري التقليدي بالفعل قطاع هش جدا، وتعود الأسباب الى ان الاشخاص الممارسين لهذا النشاط قدراتهم المالية ضعيفة وقدرتهم على التأقلم بدورها محدودة نظرا لأنهم لا يتمتعون بالدعم الملائم للتأقلم مع هذه المتغيرات السريعة، فبالتالي يعتبرون أكثر الفئات هشاشة امام التغيرات المناخية. فضلا، عن ان الفضاء الذي يمارسون فيه نشاطهم الاقتصادي بدوره هش ومهدد فتتكون مجموعة من العناصر التي تجعل منهم فئة ضعيفة ومهددة بعدم استمرارية استقرار نشاطهم.
ويضيف محدثنا ان في طبرقة مثلا، يخرج الصيادون بين 120 الى 150 رحلة صيد في السنة بالتالي نصف السنة تقريبا يكون للصياد عمل يسترزق منه، أما خلال النصف الثاني من السنة فيظل عاطل عن العمل. ويبلغ معدل دخل الصياد بين 600 و700 دينار شهريا في حال كانت الظروف مناسبة ويمكن ان تكون الخسارة مائة بالمائة أحيانا بسبب التغيرات المناخية الحادة وتراجع عدد الأسماك.
كل هذه العوامل دفعت بعدد كبير من الصيادين والعاملين في قطاع الصيد التقليدي بالتخلي عن مهنهم والبحث عن فرص أخرى، خاصة الشباب الذين وجدوا أنفسهم امام معادلة معقدة: هل يكملون رحلة اجدادهم في بيئة عمل منهكة، ام يبحثون عن فرص أخرى مستقرة الدخل؟ يجيبنا على هذا السؤال مازن الذي أكد أن نسبة عزوف الشباب عن هذه المهنة تبلغ 99 بالمائة في خليج المنستير، فالشباب او أبناء الصيادين لا يستخدمون قوارب ابائهم سوى في الهجرة غير النظامية، بالتالي المهنة التي كان يتوارثها الأبناء عن ابائهم أصبحت منفرة للأجيال الجديدة جراء عدم دعمها وقلة مدخولها، وباتت هذه المهنة حكرا على كبار السن الذين لا يجيدون مهنة غيرها. مضيفا:” انا شخصيا أفكر في عدم المواصلة في الصيد التقليدي والانتقال الى الصيد التجاري فالصيد التقليدي في خليج المنستير مصيره الانقراض مثله مثل الكائنات البحرية التي نفتها التغيرات المناخية.”

الدعم الحكومي لا يكفي لسد فجوة المناخ
رغم ان الصيد البحري يعتبر من القطاعات المربحة بالنسبة للدولة، حيث بلغ الإنتاج السنوي 147 ألف طن منها 37 ألف طن يتم تصديرها بقيمة مالية تصل الى 845 مليون دينار، حسب ما ورد في جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة الفلاحة حول إشكاليات قطاع الصيد البحري. الا ان الدعم الموجه لهذا القطاع ضعيف. يصف عماد واقع دعم الصيادين قائلا:”هناك فقط دعم من بعض المنظمات والجمعيات التي تعمل على المنظومة البحرية، أما الدولة فلا تقدم دعم مالي.”
بينما دائما ما يتم التحدث عن مشاريع داعمة لقطاع الصيد البحري التقليدي في تونس، لكن فعليا لا يصل هذا الدعم للصيادين في حين انهم يواجهون ارتفاعا في أسعار المعدات من وقود وشباك صيد ومحركات غيرها… ولا يتم تعويضهم حتى عندما يتعرضون الى خسائر بسبب العواصف، وان وجد الدعم يكون مقتصرا على بعض الدورات التوعوية حول التغيرات المناخية وكيفية التعامل معها. ووفقا لمنظمة الزراعة والأغذية فان اغلبية الناشطين في قطاع الصيد البحري التقليدي يعملون في ظروف هشة بدون عقود عمل او تغطية اجتماعية او تامين صحي لان عملهم موسمي وذو طابع غير رسمي.
ويضيف الخبير البيئي حمدي حشاد ان هناك بعض التحركات من قبل الدولة والجهات المعنية المتمثلة في صندوق الراحة البيولوجية (وهو مساعدات مالية مخصصة لدعم وحدات الصيد البحري التي يتوقف عملها في فترة محددة تسمى بالراحة البيولوجية) وبعض الدورات التوعوية لكنها تبقى حلول غير كافية يجب ان يكون هناك أكثر دعم واحاطة لأنهم يمثلون فئة مهمة.

هكذا يقاوم الصيادون أزمة المناخ
أمام هذا المشهد المعقد، بات من الضروري التدخل السريع لطرح الحلول الممكنة لتجاوز هذه المشاكل الجدية التي يواجهها قطاع الصيد البحري التقليدي، ومن وجهة نظر حشاد أن محاولة استغلال الفرص الموجودة في الأنواع الجديدة الغازية وأحسن مثال يذكر هو سلطعون داعش هو حل مناسب اذ كان يمثل مشكل حولته الدولة الى حل، من كائن غريب عنا غير معتادين عليه، الى كائن يتم تثمينه وبيعه في الأسواق التونسية. وبالفعل تم القيام بورشات حول تثمين الأنواع البحرية غير المستغلة لما يمكن ان تحققه من فرص اقتصادية مهمة في أسواق عالمية عن طريق استغلال هذه الكائنات في صناعة منتجات مثل الأعشاب البحرية التي تصنع منها مواد التجميل وغيرها من المنتجات التي تعتبر ثمينة.
وقد تحدث عماد في ذات السياق عن مشروع بصدد الإنجاز في خليج ملولة وهو حل محلي بسيط يهدف لتحسين مدخول الـ 70 بحارا المنخرطين في المجمع الذي يترأسه، يتمثل في وحدة تثمين للمنتجات البحرية ذات العائدات المالية المنخفضة في الأسواق، عن طريق تحويلها وتعليبها، بعد ان قاموا بدورات تدريبية مع الصندوق العام للطبيعة حول كيفية التثمين والتعليب، وهو مشروع تم تشريك المرأة فيه، فالرجال يصطادون والنساء يقمن بعملية التعليب وهكذا تصبح الاثمان مربحة أكثر للبحار، لكن المشروع لايزال معطلا بسبب عدم توفر وحدة انتاج ويحتاج بعض التمويلات.
وفي مبادرة أخرى في نفس المنطقة ومع نفس البحارة الصغار تم انشاء مسلك بحري بيئي في شكل محمية مائية صغيرة في منطقة تكون شبه متصحرة ذات طبيعة بحرية جميلة، يأتيها الزوار لاكتشاف العديد من المميزات الموجودة في المنطقة والمكونات البحرية والتمتع بمعلومات علمية مفيدة حول الحياة البحرية بمرافقة من البحارة. وهذا المشروع يعود بالفائدة على الصياد حيث أن العائدات المالية يتم استغلالها في شراء معدات لموسم الصيد الموالي، وهي أيضا يتم فيها حماية الكائنات البحرية المهددة بالانقراض.
هذا التقرير معد كمشروع تخرج من دبلوم صحافة المناخ الذي تنظمه مدرسة المناخ بالتعاون مع غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشبكة الصحفيين الدوليين."
* صحفية متحصلة على الاجازة في الصحافة والماجستير المهني في الصحافة متعددة المنصات ومتطوعة مع مدرسة المناخ