قابس مدينة لا تنام إلا على أنين البحر المسموم، منذ عقود، لم تعد أشجارها تعرف الخضرة كما يجب، ولم يعد أهلها يتنفسون الهواء دون أن يبتلعوا معه غبار الفوسفوجيبس وأبخرة المصانع.
قابس قطعة من الجنة على الأرض، غدت مختبرا للسموم، يجاور فيه الموت البيوت كما يجاور النخيل الواحات، على وقع تاريخ من التواطؤ مع التلوث، تاريخ من تحويل البحر إلى مقبرة للأسماك، والهواء إلى غيمة خانقة، والأجساد إلى ممرات صامتة للأمراض.
عشرات المقالات كتبت، مئات الصرخات تعالت، لكن الصمت كان دائما أثقل من رئة قابس المثقلة بالتلوث لتأتي الحادثة الأخيرة وتنفض آثار السكوت عن الكارثة.
الاختناق الأخير الذي شهدته قابس لم يكن مفاجئا لأهلها، لقد اعتادوا على أن يفتحوا نوافذهم فيستقبلهم هواء ثقيل، ممتلئ برائحة الكبريت والأمونياك.
لكن أنين التلميذات والتلاميذ وصرخات الأولياء الملتاعين من التلوّث راكم الاختناق وصعّد منسوب الغضب والخوف من القادم وسط وضع مأزوم ووعود تنمية واهية.
ويأتي اجتماع رئيس الجمهورية بوزير الصحة والبيئة ووزيرة الصناعة والطاقة والمناجم كاعتراف، وإن كان متأخرا، بأن قابس لم تعد قادرة على الصبر، ولكن هل يغيّر ذلك الواقع ويتحول إلى قرارات فعلية تقضي على آفة التلوث.
وفيما تطرق الاجتماع إلى غول التلوث والاغتيالات المتتالية الناتجة عنه ووجود حلول ممكنة، مازالت الرئة في قابس تنازع من أجل جرعة هواء نظيف، والبحر يفيض بمخلفات المصانع.
ذاكرة التلوث
وفي الأثناء تتجلى قابس مدينة مثقلة بجراحها، في كل شبر منها، تجد أثرا للتلوث، في الرمال التي لم تعد ذهبية، في الأشجار التي اصفرّت أوراقها قبل أوانها، في أجساد متساكنيها الذين يحملون أمراض كثيرة بعضها لا أسماء لها.
منذ سنوات، تُرفع في قابس لافتات تطالب بإنقاذ البحر والهواء، لكن حلول الدولة لا تتجاوز اللجان التي تخط التقارير لتستدر الوعود ويتكرر المشهد ولا يُسمع صوت الدولة إلا حينما تتصدر صور المختنقين الأخبار.
اليوم وقد سئم البحر أن يكون مصبا للفوسفوجيبس، لم يعد الاعتراف بالمعضلة البيئية في قابس كافيا، فهي اليوم تحتاج إلى فعل حقيقي، إلى قرار سياسي شجاع يُنهي زمن التواطؤ مع التلوث.
قابس تستحق أن تستعيد حياتها قبل محنة التلوث، وأن تعود الأشجار إلى اخضرارها، وأن يعود البحر إلى لونه، وأن يعود الناس إلى التنفس دون خوف.