في منزلة بين عالمين يقف فيلم “قنطرة” للمخرج وليد مطار، بين عالم النهار وعالم الليل، بين عالم الأغنياء وعالم المهمشين، بين عالم القيم ونقيضه، تتشكل ملامح كوميديا اجتماعية مطرزة بتفاصيل واقعية.
على خطى العنوان “قنطرة” الذي يعني الجسر باللغة العربية يقيم المخرج وليد مطّار في فيلمه الذي يعرض ضمن مسابقة آفاق السينما العربية في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي جسرا بين العوالم المتضادة.
هذا الجسر ليس امتداد لهواجس المخرج وليد مطار فحسب وإنما هو واقع يتجسد في الجسر الفاصل بين الضاحية الشمالية والضاحية الجنوبية بما تحمله كل منهما حكايات وأسرار واحتمالات.
في الفيلم تتكثف الحكاية على إيقاع كوميدي يتزايد شيئا فشيئا وتتضح معه معالم كوميديا الموقف في مشهدية تصور الواقع التونسي دون مباشرتية أو مبالغة من خلال قصة مخرج شاب تأرجح بين تناقضات الحياة.
“فؤاد” (محمد أمين حمزاوي) مخرج شاب توحي تفاصيل يومه بحبه للفن من أجل الفن، يساعد صديقه “تيتا” (سيف عمران) مغني الراب في تصوير فيديو كليب لأغنية ويستعين ب “صفاء” (سارة الحناشي).
وحينما يجتمع الثلاثي في عرض البحر في مشهد من الكليب تطفو عبوة مخدرات حذو مركبهم وتتخذ الأحداث منحى تصاعديا تظهر معه الهوة بين ضفتي الجسر وتخوض الشخصيات صراعات يتهافت معها ضحك بطعم الوجع.
المشاكل التي يواجهها الإنسان والفنان تتراءى في “قنطرة” حيث تمتد جسور بين معاناة الشباب في تونس وفي العالم العربي وتتشابك أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ونلتقي جميعها عند الحق في الحياة وحريتها.
على تشعبها وتقاطعها لم يغزُ التعقيد المشاكل والإشكاليات التي طرحها الفيلم فبدت بسيطة واضحة تبوح بها تفاصيل الأمكنة ونظرات الشخصيات وحركاتها وسكناتها وإيماءاتها.
والأمكنة في “قنطرة” تبدو وكأنها شخصيات مستقلة بذاتها لها أرواح تحاكي الشخصيات وتفاصيل عامرة بالحكايات ولعل ما عزز ذلك الاختيارات الذكية للديكورات بإمضاء مهندسة الديكور نهلة السماتي.
السياقات المكانية لم تكن لتزخر بما فيها من دلالات ومعاني لولا الشخصيات التي خط وليد مطار وشركاؤه في الكتابة معالمها بدقة وصنع لكل منها مسيرة ومسارات لا تستدعي إطنابها في الحديث لنمعن في معرفتها.
وبعد خلق الشخصيات كان الكاستينغ اللافت في الفيلم، توليفة من الممثلين القادرين على إغواء الكاميرا من زوايا مختلفة، وجوه محملة بالحكايات وعيون تجيد الكلام وأداء يترنح بين التعبيرات الدرامية والمواقف الكوميدية.
مرة أخرى يلتقي وليد مطّار ومحمد أمين حمزاوي في “قنطرة” بعد “شرش”، تجربة أخرى تتجلى فيها قدرة حمزاوي على التمثيل دون عناء، دون تكلف ومبالغة، وبكل ما أوتي من هدوء.
الأداء الصامت، الانفعلات المتضادة في الآن ذاته، بعض من سمات شخصية “فؤاد” وهي تنسحب أيضا على شخصية “تيتا” التي يؤديها سيف عمران وشخصية “صفاء ” التي تؤديها سارة الحناشي.
فيما يخص الممثل سيف عمران فهو يجيد التحرك في مساحة الإضحاك دون ابتذال ويمعن في تحويل أشد المواقف تراجيدية إلى مواقف كوميدية، إيحاءات بسيطة في محياه كفيلة بأن تستدر الضحك.
أما سارة الحناشي فتجيد لعبة التقمص حد الواقعية، بسيطة وعفوية في أدائها، تمتص كل تفاصيل الشخصية وتعيد صياغتها بملامحها الهادئة وحضورها الصارخ وقدرتها التنويع في تعبيراتها.
وأما شخصية “زهرة” التي تؤديها زهرة الشتيوي وشخصية أخيها الذي يؤديها عصام عبسي فهما محفزتان للأحداث ودافعتان لها في اتجاه معاكس لما انطلقت عليه ساعة العثور على عبوة “الكوكايين”.
هاتان الشخصيتان على غرار البقية لا نعلم عنهما الكثير باستثناء ما أراده المخرج ولكنهما يتيحان لك إمكانية قراءتهما على ضوء ملامحهما ونبرات صوتيهما وتعاملهما مع بعضهما البعض ومع من حولهما.
في الفيلم الذي يحضر فيه أيضا كل من درة معاوية وعلاء الدين العتروس نجح المخرج في خلق حالة من التمارين بين الشخصيات والفضاءات المتحركة فيها وأعطى للأماكن أبعادا أخرى من خلال اختيار الألوان والإضاءات التي تخدم الحالات النفسية والذهنية للشخصيات.
على شاكلة الإضاءة التي تبوح بمتضادات العوالم القائمة على ضفاف “قنطرة” وليد مطار تتسرب الموسيقى إلى الوجدان دون إيذان وتتعاضد مع وضعيات الشخصيات وحالاتها وتعزز حالة التماهي معها ومع أوجاعها التي تحولت إلى ضحكات.
مع تدفق الحكي في الفيلم تتبدى “القنطرة” مرارا وتكرارا ويخيل إليك أحيانا أنها صارت بمثابة فجوة الزمن تتكرر فيها الأحداث وتعود في النهاية حيث البداية ويذوي حلم الاستثراء السريع عبر بيع الكوكايين ويرجع “فؤاد” إلى حضن الإخراج.
مسارات غير متوقعة يتخدهها السير على الجسر في كل مرة اختار المخرج وليد مطار أن ينتصر في نهايتها للفن على إيقاع موسيقى تدغدغ العقل والعاطفة أوجدها محمد أمين حمزاوي، وصورة موغلة في الواقعية خلقها مدير التصوير الطيب بن عامر وصوت ينهل من الحقيقة بإمضاء مهندسة الصوت معز بالشيخ.
“قنطرة” عمل سينمائي آخر يشرح فيه وليد مطار الواقع عبر الكوميديا الاجتماعية ويروي فيه قصصا تحاكي المجتمع التونسي خصوصا والمجتمعات العربية عموما، وهو من إنتاج إقبال التليلي وإدارة و تنفيذ الانتاج أمل رويسي.