يقارب فيلم “كأن لم تكن” للمخرجة التونسية سارة عبيدي، في عرضه العالمي الأول ضمن مسابقة آفاق السينما العربية بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، التحولات النفسية التي تطرأ على الإنسان حين يقتحم التغيير مسار حياته.
غير أن ما يميّز الفيلم، إلى جانب موضوعه، هو اختيار عبيدي لوجوه جديدة لتجسيد أدوار محورية، إذ تسند البطولة إلى زينب المالكي، وتشاركها في البناء الدرامي آخرون من ببنهم يسر القلعي، وكلتاهما تقف أمام الكاميرا للمرة الأولى.
هذا القرار لا يأتي ضمن سياق المجازفة المعتادة، بل يبدو جزءا من تصور إخراجي واعٍ، يعتبر أن الخبرة ليست دائما شرطا لصناعة أداء صادق ومؤثر، وأن الوجوه الجديدة قادرة على منح الشخصيات مساحة أكبر للنمو داخل الفيلم بعيدًا عن إرث تمثيلي مسبق.
زينب المالكي تظهر في شخصية “عايدة” وهي موظفة في مركز اتصال تعيش إيقاعًا رتيبًا يتغير فجأة بعد رحيل مفاجئ لزميل كانت تحمل له مشاعر غير معلنة.
هذا الاضطراب في حياتها يصبح محور الفيلم، وتتولى المالكي نقله من خلال أداء غير لفظي قائم على البساطة والصدق اللذان تؤويهما في ملامحها الخام المحملة بأثر السنين والتجارب بما تحمله من حلو ومر.
وغياب التجربة السينمائية لم يكن عائقا، بل انعكس إيجابا على الشخصية من خلال طبيعية الحركة والتعبير، إذ تؤدي الدور دون افتعال، ودون محاولات لإظهار مهارات تمثيلية غير مكتملة.
هذه العفوية تمنح الشخصية قربا نفسيا من المشاهد، وتجعل مسارها خلال الفيلم مألوفا إذ تبدو في كثير من اللقطات متحررة من الثقل الذي تفرضه الخبرة أحيانا، ولكنها متسلحة بأدوات المسرح الذي خبرته في تجربتها الفتية مع التياترو.
وأما يسر القلعي، التي راكمت التجارب على المسرح فتأتي لتضع لبنة في البناء الدرامي وتؤدي دورا يعتمد على الحضور الهادئ والتفاعل الطبيعي مع الأحداث.
رغم وقوفها أمام الكاميرا لأول مرة، إلا أن وجودها في المشاهد يمنح الفيلم توازنا، ويساعد على توزيع الثقل الدرامي بطريقة تخفف عبء البطولة على زينب المالكي.
والقلعي تقدم في شخصية “صوفي” أداءً واضحا ومدروسا وتدرك حدود دورها وموقعه ضمن البنية العامة للفيلم، وهي لا تسعى إلى لفت الانتباه أكثر مما يتطلبه الدور، مما ينسجم مع الإيقاع العام الذي اعتمدته المخرجة.
والرهان على ممثلتين جديدتين لم يكن قرارا جماليا فحسب بل ينسجم مع طبيعة الفيلم الذي يقوم على فكرة التغيير الداخلي وعلى متابعة التحولات الصغيرة التي تتحرك في حياة الشخصيات.
فالوجوه غير المألوفة تمنح المتلقي مساحة أوسع للتفاعل مع الشخصية دون مرجعيات مسبقة، وتتيح للفيلم أن يقدّم قراءة مباشرة للإنسان حين يواجه حدثًا مفاجئًا يعيد ترتيب أولوياته.
وقد نجحت العبيدي في إدارة ممثلاتها من خلال خلق بيئة تصوير تتيح لهنّ حرية الأداء مع الحفاظ على الخط العام للسرد، إذ لا محاولة قسرية لفرض الانفعال في الأداء ، ولا مبالغة في التعبير، وهو ما ساعد في بناء فيلم يستند إلى الواقعية.
الكاميرا في “كأن لم تكن” تلتزم بإيقاع هادئ وثقيل يناسب طبيعة الشخصيات وتترك مساحة لالتقاط التفاصيل الصغيرة في الأداء، وتبتعد عن الزوايا التي تهدف إلى تضخيم الحالة النفسية. هذا الأسلوب يخدم ممثلات جديدات، لأنه لا يضغط عليهن ولا يدفعهن إلى أداء تعبيرات مبالغ فيها.
والفيلم يقدم تجربة تستحق التوقف عندها، ليس فقط من زاوية موضوعها أو سردها البسيط والدقيق، بل أيضًا من ناحية خيارها الأساسي وهو منح بطولة العمل لوجوه جديدة تقف أمام الكاميرا للمرة الأولى.
وقد نجحت زينب المالكي ويسر القلعي في تقديم أداء متماسك، قائم على الصدق والانضباط، مما يناسب طبيعة الفيلم ويخدم رؤيته ويؤكد أن السينما لا تحتاج إلى صدق في التعبير وانسجام بين الشخصية والممثل وهو ما تحقق في هذه الحالة.
وعبر وجوه لا تسبقها ذاكرة سينمائية ولا إرث بصري،تُدخل المشاهد مباشرة إلى قلب التجربة دون أن تشتته طبقات الأداء الجاهز أو الإطلالات المألوفة، ووجوه أخرى لم تستنزفها الشاشة صنعت سارة العبيدي شخصيات فيلمها.
وفي السياق ذاته، يحمل ممثلون غير مستهلكين بقية الشخصيات على كاهلهم وهم فاطمة الفالحي وسندس بلحسن ويحي الجزيري وعبد الكريم البناني ونور حجري في كاستيتغ يتوافق مع طبيعة الفيلم الذي يشرح الوحدة والروتين.
عن الفيلم …
“كأن لم تكن” أو البحث عن عائدة (العنوان بالأنجليزية) يمتد على مدار 89 دقيقة، يقدّم حكاية تنبض بالأسئلة الداخلية والارتباكات الوجودية، وتدور الأحداث حول “عايدة” ، موظفة في مركز اتصال، تعيش حياة رتيبة حتى يهزها رحيل مفاجئ لزميل عمل قديم كانت تُكنّ له مشاعر صامتة لم تجد طريقها إلى الاعتراف.
هذا الغياب المباغت يفتح أمام “عايدة” سلسلة من الانجرافات النفسية والواقعية، فتجد نفسها أمام ضرورة إعادة النظر في إيقاع حياتها، وطبقات علاقتها بذاتها وبمحيطها، وفي الطريقة التي تقيس بها الزمن وتطالبه بالمعنى.
وفي فيلمها الروائي الطويل الثاني تسلك سارة عبيدي، مسارا بصريا وسرديا نفسيا ينسج تفاصيله من خيوط الوحدة والرتابة، لتقدّم تشريحا لشخصية تقف على تخوم التغيير، وتحاول أن تفهم ذاتها حين تنقلب التفاصيل الصغيرة إلى زلازل داخلية.