القاهرة/ في غزة عام 2007، حيث تختلط الهشاشة اليومية بوطأة الانقسام، يختار الأخوان عرب وطرزان ناصر أن يفتحا بابا على حكاية ثلاثة رجال تقودهم المصائر المتشابكة إلى دائرة مغلقة من الخوف والدم والانتقام.
تاجر مخدرات يعيش على هامش الفوضى، وصديقه الذي يراقب الانهيار من مقربة، وضابط في قوات الأمن الداخلي يظن أنه يمسك بخيوط اللعبة ولكن الأمور تنفلت منه على حين غرة.
لحظة واحدة فقط، حينما رفض التاجر العمل لصالح الضابط، تكفي لتشعل شرارة العنف الأولى، فيُقتل الرجل وتُترك الأسئلة معلّقة بين الأزقة التي تحفظ صدى الرصاصة أكثر مما تحفظ أسماء ساكنيها.
لكن الحكاية لا تستقر عند نقطة الدم، إذ تعود الجراح إلى الواجهة حين تتقاطع بعد سنوات حياة الصديق والضابط من جديد، بينهما فراغ ثقيل من الذكريات، خوف يتخفّى تحت قشرة الصمت، ورغبة في انتقام لم يعد أحد يعرف إن كانت خلاصًا أم عبئًا جديدًا.
في “كان يا مكان في غزة” الذي عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ينسج الأخوان ناصر سردية تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتلامس البنية العميقة للعنف في قطاع محاصر، فيما تفتح موسيقى أمين بوحفة مساحات شعورية إضافية، تمنح القصة سوادها الضروري دون أن تثقلها بميلودراما مسقطة.
بهذا الاشتباك بين الذاكرة والواقع، وبين الجريمة وتبعاتها، يتكوّن فيلم يسائل المعنى الحقيقي للنجاة في مكان لا يملك فيه أحد ترف الحياة، وتتعدى “غزة” المساحة الجغرافية لتتجلى ككيان حي يحاصر الشخصيات.
على إيقاع سرد مركّب وغير خطي، يتهافت الصمت والهلع والتوتر الذي يلاحق الشخصيات بعد سنوات من الحادثة ويصحو الماضي ويصرخ أن بعض الحوادث لا يمكن تجاوزها إذ تصبح ظلا دائما يعيد نفسه في كل زاوية وكل لقاء.
السرد في الفيلم دائري، متدرج، ويعتمد على التلميح أكثر من التصريح، ما يجعل المشاهد شريكًا في ملء الفراغات وفك الرموز، ومتلقيًا للصراعات النفسية قبل أن يكون شاهدًا على الأحداث.
الفلاشباكات الدقيقة، لحظات الصمت الطويلة، ونبرة التوتر التي تخترق الحوار تجعل السرد غير مباشر لكنه عميق، حيث تتكشف الطبقات الداخلية للشخصيات تباعًا، وينجر المشاهد إلى ذروة الصراع.
والصديق، الذي يراقب كل شيء دون تدخل، قد يتقاطع مع تمثلات المشاهد فيصور بعض الحالات الذهنية والنفسية التي تسحب المشاهد أكثر إلى عوالم الفيلم ، وهو يعيش حالة من الحذر المستمر بين الخوف من الضابط ورغبته في النجاة من دائرة الانتقام.
الضابط، من جهته، يكتشف أن سلطته لا تكفي لطمس آثار جريمته، وأن القدر يخفي في ثناياه مفاجآت نختصر فيها الحياة كل المسافات لتعيد الماضي إلى السطح بطريقة غير متوقعة وتصنع لحظة المواجهة.
الشخصيات مصممة بعناية لتعكس هشاشة الإنسان في ظل بيئة مضطربة، وتاجر المخدرات ليس مجرد رجل هامشي، بل ابن واقع اقتصادي واجتماعي هشّ، يختبر الخيارات المتاحة للبقاء على قيد الحياة.
أما الصديق فيمثل الجانب المراقب الحذر، الذي يحاول الموازنة بين البقاء والعدالة الشخصية، بينما الضابط يظهر كبطل سلطة مضطرب، يجمع بين شعور القوة والخوف الداخلي، بين الرغبة في السيطرة والإحساس بالذنب الذي لا يفارقه.
كل هذه التعقيدات تجعل الشخصيات أقرب إلى الواقع، وتحول كل مواجهة أو لحظة صمت إلى حدث يحمل أكثر من دلالة واحدة، سواء على الصعيد النفسي أو الاجتماعي.
الإخراج في الفيلم متقن وعميق، يعكس إحساسًا بالواقعية دون الانغماس في التجربة التسجيلية للواقع الفلسطيني، الكاميرا تتحرك بانسياب داخل الأزقة الضيقة، منخفضة أحيانًا وقريبة من الوجوه، وكأنها تشارك الشخصيات نفس الانسداد النفسي والخوف.
الإضاءة ابنة البيئة التي تدور فيها الأحداث، خافتة أحيانا ومعتمة أحيانا أخرى، الظلال قوية، والألوان باهتة، ولا استخدام مفرط للمؤثرات البصرية، فكل لقطة مصممة بدقة لتخدم السرد النفسي وتحافظ على الإحساس بالضغط المكاني والنفسي.
التمثيل يعتمد على الواقعية المطلقة، بعيدًا عن المبالغة، مرتكزًا على التفاصيل الدقيقة في لغة الجسد ونبرة الصوت، والممثلون يخلقون حالة من الانغماس في الشخصيات بحيث يبدو كل ارتجاف، وكل نظرة، وكل تحريك لليد بمثابة امتداد طبيعي للصراع الداخلي.
أداء الضابط متوازن بين الشعور بالسلطة والخوف من الماضي، بينما يظل الصديق صامتا لكنه ممتلئ بالقلق والشك، ما يجعل اللقاء بينهما محمّلا بالتوتر النفسي.
وهذه الواقعية تجعل من الصراع بين الشخصيات تجربة حسية مباشرة، فتصبح الأمكنة امتدادًا للتوتر النفسي والحضور الدائم للماضى لا مسارا ماديا فحسب، فيما تضيف الموسيقى بعدًا آخر للسرد.
وموسيقى أمين بوحفة، كعادتها، ترجمة أخرى لانفعالات الشخصيات واختلاجاتها والرابط بينها وبين المكان والزمان فلا تبدو خلفية أو مرافقة بل تتسلل بخفة إلى المشاهد لتضاعف الترقب وتعمق الإحساس بالخطر المستمر
الأصوات الطبيعية من خطوات على أرض غزتها آثار الاحتلال الصهيوني، وصرير الأبواب، وضجيج الشوارع البعيدة، ودوي القصف، تعمل، أيضا، على بناء الحالات النفسية المكثفة، فينشأ شعور متواصل بالتهديد المحتمل، ويغدو الصمت أداة سردية فعّالة تتخطى الكلمات.
ومنذ للعنوان تتصدر غزة الواجهة، المدينة المتحركة دائما والحية رغم أن كل الاتجاهات فيها تحيل إلى الموت بأبعاده المختلفة، كل شارع وكل زاوية فيها يحمل ذاكرة وأثرًا من الماضي، وكل بيت يعكس هشاشة السكن وشيء من الخوف.
الفيلم يجعل من المكان عنصرا فاعلا في بناء الصراع، حيث يعيد تدوير العنف والخوف ويأسر الشخصيات في دوامة الماضي الذي يلاحقهم، فيتخلى الزمن عن خطيته ويحاصرها أكثر ويعيدها إلى نفس نقاط الانكسار والارتباك.
لا خطاب سياسي مباشر في “كان يا مكان في غزة” وهو يترك مساحة للمشاهد ليتأمل تجارب الشخصيات، والصراعات الداخلية التي تنشأ من لقاءات بسيطة لكنها مشحونة بالذاكرة والخوف.
والفيلم يثبت أن اللحظات الصغيرة، سواء كانت رفضا، أو سوء تقدير، أو غضب، أو خوف يمكن أن تتضخم لتصبح جزءا من التاريخ الشخصي والعام، وأن العنف اليومي المتكرر ليس مجرد حدث عابر بل تراكم للذاكرة والنسيان المختلط.
وفي النهاية، يبقى صدى الجريمة والخوف حاضرًا أكثر من أي حل، ليذكّر المشاهد بأن العدالة الحقيقية لا تأتي من القانون أو السلطة، بل من مواجهة النفس والخيارات التي يفرضها الواقع.
والفيلم يفتح نافذة على المدينة كما لم تُرَ كثيرا في السينما، مدينة يعيش سكانها على هامش الاحتمالات، حيث الماضي والحاضر يلتقيان في صراع مستمر، ويترك حدث قد يكون عابرا أثرا طويلا يتجاوز السنوات.
وهو يحاكي تجربة وجودية خانقة ومربكة أكثر من كونه سردا لأحداث سياسية أو اجتماعية، تجربة تجعل المشاهد يعيش الجرح والخوف والانتقام كما يعيشها أهل غزة أنفسهم، ويترك أثرا نفسيا ممتدا، يتردد بعد أن تُغلق الشاشة، كأن الفيلم لم ينتهِ بعد، وكأن المدينة نفسها لم تتوقف عن الكلام.