في صميم يوم تفجرت فيه الذاكرة، واختلط فيه الارتباك برطوبة الجدران، وانسكب الزمن كما تسيل قطرات عطر على جرح مفتوح، يشدنا فيلم “كولونيا” للمخرج محمد صيام إلى مواجهة قاسية مع الذات، مع الأبوة حين تفقد معناها الأول، ومع البنوة حين تتحوّل من امتداد للحب إلى مرآة للخذلان.
كل شيء في هذا الفيلم الذي عرض بمهرجان الجونة السينمائي يتسرب ببطء : الضوء، والموسيقى، والصمت، والملامح، حتى الكاميرا تبدو مترددة في الحركة، كأنها تخشى أن تخدش ما تبقّى من صفاء في الوجوه حينما تفيض الذاكرة حكايات.
مع تواتر الأحداث لا ينفك الفيلم يثير فينا التساؤلات عن قدرة الاعتذار على ترميم العلاقات حينما تنكسر، فيما تتدفق كل الأسئلة في مساحة من الزمن تمتد بين نهارين وليلة واحدة.
في هذه الليلة يضطر الأب والابن إل مواجهة ما تهرّبا منه لسنوات، فتقاطر الوجع على حدود الصراحة ولم تكتمل الاعترافات في صراع أسري يُخفي تحته قضايا أخرى تمتد من الخيانة إلى الإدمان، ومن العلاقات المتوترة بين الإخوة إلى تشظّي القيم في مجتمعٍ فقد تماسكه.
الفيلم يضع اليد على نبض عائلة ليقيس من خلاله نبض مجتمع بأكمله، يتيه بين التبرير والندم، وبين الرغبة في التجمّل ومحاولة التطهر ويصور المواجهة بلغة بصرية متقشّفة، لكنّها مشبعة بالدلالات.
فالألوان في الفيلم باهتة على نحوٍ متعمّد، تميل إلى الرماد، كأنها ظلال أرواح أطفأها الزمن، بينما يتسرب الضوء عبر شقوق الجدران كما تمرّ الذكريات عبر الندبات ويعبر النهار سريعا وتناسب الظلال في ليل طويل تتشابك فيه الوجوه مع ذاكرتها المتعبة.
الأنفاس في الفيلم تبدو مكبوتة وكل التفاصيل تحيل إلى وجع قديم وتختصر حكاية انهيار طويل وتهمس بالمكتوم فيما يتوارى رذاذ الكولونيا خلف محاولات الشخصبات الدائمة لحجب رائحة الأسى.
هذه الشخصيات لم تكن تظهر على الشاشة بصظقها وعفويتها والسياسية انفعالاتها لولا الكاستينغ فاختيار أحمد مالك وكامل الباشا يستجيب لبنى شخصية الأب وابنه على مستوى الشكل والانفعالات في الأداء، فيما يختزن الباشا في وجهه ذاكرة رجلٍ أنهكه الصمت، وبينهما تطل “سارة” التي تؤديها ميان السيدة في مساحة مختلفة عما ظهرت به سابقا.
حين يلتقي الثنائي أمام الكاميرا، تتناسل بينهما طبقات من الحكاية تتجاوز السيناريو نفسه، كأنهما بالفعل أب وابن يعيدان اكتشاف بعضهما حيث تبدو النظرات أبلغ من الحوار، وتختصر المصافحة المرتبكة في منتصف الفيلم تاريخا من الغياب.
وبحذر العارف بالحدود بين الصدق والمبالغة، يدير محمد صيام الممثلين، ويتحرك في المسافة الفاصلة بين تخمر الوجع وانفجار البوح ويراوح بين اللقطات القريبة والبعيدة ويميل إلى الكادرات الداخلية الضيقة على حساب الخارجية.
وفي “كولونيا” تتحول المشاهد في كثير من الأحيان إلى مسارح داخلية، حيث تتكلم النظرات وتتناثر الاعترافات بلا صوت ويكون المشاهد مجبرا على تفكيك شيفرات الصمت.
والسيناريو، رغم بساطته الظاهرية، هو شبكة من الرموز والعلاقات المتقاطعة إذ تتفتح جروح الماضي في ليلة واحدة وتتهاطل الأخطاء القديمة، وتتبدى خيانات صامتة، وتحيل الكلمات المبعثرة إلى تاريخ من الكتمان.
وفي ذروة التقاطع بين الأب والابن تتغير المعادلة ويفقد الثنائي السيطرة على الحوار ويتحدث الماضي من خلالها غصبا عن إرادتهما وتتحرك الكاميرا ببطئ محسوس ومحسوب وتخلق إيقاعا متأنيا.
لا لقطات استعراضية ولا حيل تقنية، فقط عينٌ تعرف متى تقترب ومتى تتراجع وسط هدوء ظاهري يخفي خلفه توترا عميقا ويهيئ المشاهد لانفجار ممكن في أي لحظة، لكنه يسكن في ذروته.
والموسيقى في الفيلم تتأرجح بين الصمت والخذلان والخيبة ومحاولة التخطي وهي حينما تتحدث مع حركة الضوء وإيماءات الممثلين وتعبيراتهم تحاكي صوت النفس الأخير الذي يسبق البكاء.
في بعض المشاهد تختفي الموسيقى تماما، فيصبح الصمت نفسه لحنا يعكس جرأة المخرج في اختياراته المقتصدة التي تؤجج التوتر الداخلي للشخصيات في أدق حالاته، حتى تكاد تشعر بأن الموسيقى نابعة من أنفاسهم المضطربة.
بين محاولات الهروب والتطور والمواجهة يحاول الأب أن يتخفف من خطايا الأبوة، ويحاول الإبن أن يغسل ذاكرته من أثر الخذلان، ويقف المجتمع في الخلفية مضمدا جراحة بالمخدرات والسكوت.
وبعيدا عن بنائه الدرامي، يشكل الفيلم فضاء رمزيا أرحب للتفكر في فكرة الغفران والاعتراف والفرص التي تمنحها الحياة للإنسان ليرتب خياراته ومجيء الموت في غير أوانه.
كل التفاصيل تختبر الهشاشة الإنسانية وتجسد تلك اللعبة التي نلعبها مرارا حينما نتظاهر أننا بخير ولكننا ننهار، ولا توحي بأي خلاص ولا نهاية مريحة بل تقف على حبل معلق بين الرغبة في البكاء والرغبة في الصمت.