غياب لجان التحكيم عن منصة حفل اختتام أيام قرطاج السينمائية ليس حادثة بروتوكولية عابرة، ولا خللا تنظيميا، ولا تفصيلا تقنيا يمكن تجاوزه ببيان مقتضب أو تبرير إداري (إن من به علينا أولي الأمر).
ما حدث فجّر، على نحو غير مسبوق، نقاشا واسعا حول معنى المهرجان نفسه، وحدود السلطة داخله، وموقع الثقافة في المشهد العام التونسي، كما صدّر هذا الجدل إلى ضيوف تونس وإلى خارج حدودها.
المهرجان المعروف تاريخيا بجرأته السياسية والتزامه الأخلاقي يجد نفسه اليوم متأرجحا في قلب أزمة تمسّ شرعية الفعل الثقافي ذاته: من يملك الكلمة الأخيرة؟ من يقدّم الجوائز؟ ومن يُعيَّن ناطقًا باسم السينما؟ أسئلة فرصتها قوة الوقائع.
كل المؤشرات، مدعومة ببيان لجنة التحكيم الكبرى، وبالرسالة المفتوحة التي وجّهها المخرج إبراهيم لطيف، عضو لجنة تحكيم مسابقة العمل الأول (الطاهر شريعة) إلى رئيس الجمهورية، تُحيل إلى حقيقة واحدة: ما حدث كان فعل إقصاء مكتمل الأركان، ومسّا مباشرا بجوهر مهرجان بُني منذ تأسيسه على فكرة الاستقلال الثقافي، لا على منطق الإملاء والوصاية.
الأخطر من ذلك أن هذا الفعل العبثي قدّم صورة مقلقة عن تونس، وعن أعرق مهرجاناتها في المنطقة، فالشهادات المتواترة من أعضاء لجان التحكيم لا تترك مجالا للتأويل: نحن أمام مسار واضح لضرب الثوابت، عبر إفراغ لجنة التحكيم من دورها الرمزي والفعلي، وتحويلها إلى كيان بلا صوت ولا سلطة.
أن تُدفع لجان التحكيم إلى منطقة وسطى بين الصمت أو الانسحاب، في وضع فرضته المنظومة نفسها، هو مؤشر صارخ على ضياع البوصلة، وعلى حالة التخبط والارتجال وانعدام الرؤية من كل الزوايا.
في كل المهرجانات الدولية، تُعدّ لحظة إعلان الجوائز امتدادا طبيعيا لعمل لجنة التحكيم، لا ملحقا بروتوكوليا يُعاد ترتيبه وفق اعتبارات خارج السينما.
ولا يمكن بأي حال تبرير محاولة إسكات لجان التحكيم، وتجاهل مقرراتها وحيثياتها، لا بوصفها تفصيلا شكليا؛ إنها إلغاء للشرعية في معناها الأعمق.
لحظة الإعلان عن المتوّجين لا تختزل في قراءة أسماء من ظرف مختوم، بل تقوم على الكلمة التي تشرح، وتفسّر، وتحمّل الاختيار معناه الثقافي والجمالي. وحين تُسحب هذه الكلمة من أصحابها، يصبح الانسحاب فعلا دفاعيا مشروعا، لا انسحابا عبثيا.
من المسؤول؟ السؤال الذي يتردّد اليوم على تخوم ما يشبه “المهزلة”، والمؤكد أن تحميل المسؤولية لإدارة أيام قرطاج السينمائية وحدها لا يصمد أمام الوقائع. فهي، وفق المعطيات المعلنة، لم تكن صاحبة القرار النهائي، فقد حُشرت بين المطرقة والسندان.
ما ورد في بيان لجنة التحكيم الكبرى حول أن القرارات النهائية المتعلقة بصيغة الحفل، بما في ذلك إقصاء لجان التحكيم عن المنصة، اتُّخذت على مستوى إداري ومؤسسي يتجاوز إدارة المهرجان، لا يخلو من خطورة بالغة.
فنحن لا نتحدث عن تدخل فوقي عابر، بل عن فرض صيغة تتعارض صراحة مع الأعراف الدولية، ومع تاريخ مهرجان قرطاج نفسه.
من يظهر، من يتكلم، ومن يُطلب منه الصمت… هذه بعض أدوات المنطق الجديد الذي بات يُدار به الشأن الثقافي، منطق التقطه ضيوف المهرجان بوضوح، ففهموا دلالة غياب لجان التحكيم احتجاجا، وشارك عدد منهم بيان اللجنة الكبرى، إدراكا لخطورة ما حدث.
أيام قرطاج السينمائية، مهرجان انحاز تاريخيا إلى سينما التحرّر، إلى فلسطين، إلى إفريقيا، وإلى الأصوات المهمّشة، وما جرى في حفل الاختتام يتناقض جذريا مع هذا الإرث، فالمهرجان الملتزم لا يُقصي لجان تحكيمه، ولا يكمّم الأفواه، ولا يفرّغ الاستقلال من معناه ولا بد من محاسبة من دفع إلى ذلك في تضارب صارخ مع فلسفته.
لجنة التحكيم المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة : نجوى نجار – رئيسة اللجنة – كاتبة ومخرجة ومنتجة (فلسطين) جون ميشيل فرودون – ناقد سينمائي (فرنسا) لطفي عاشور – مخرج ومنتج (تونس) كانتاراما غاهيغيري – كاتبة سيناريو ومخرجة (رواندا) لطفي بوشوشي – مخرج ومنتج (الجزائر) -لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية الطويلة رجاء عماري رئيسة اللجنة – كاتبة سيناريو ومخرجة (تونس) إليان الراهب مخرجة و منتجة (لبنان) الحسن دياغو مخرج (السنغال) لورا نيكولوف منتجة (فرنسا) نادية كعبي لينكي فنانة بصرية (تونس) – لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة وقرطاج للسينما الواعدة : حكمت البيضاني – رئيس اللجنة – مخرج ومنتج وأكاديمي (العراق) باسيرو نيانغ – ناقد سينمائي وشاعر (السنغال) إلياس خلاط – مخرج ومنتج (لبنان) نادية الرايس – مخرجة وفنانة بصرية (تونس) سارة سليمان – مخرجة وباحثة (السودان) – لجنة تحكيم مسابقة العمل الأول “الطاهر شريعة” : مريم نعوم – رئيسة اللجنة – كاتبة سيناريو (مصر) إبراهيم لطيف – مخرج ومنتج (تونس) سلام زامباليغري – مخرج (بوركينافاسو)