واثق الخطى يمضي إلى مربض الطائرة بعد أن برهن استعداده الجسدي والذهني على الإقلاع، وخط تفاصيل الإقلاع في سجل الطيران، منتصب القامة شامخا يكاد يعانق السماء حتى تخال أن خطواته لا تلامس الأرض.
كأنه يسير على السحاب، يرنو الملازم “يسري القطاري” الأول على دورته في مدرسة الطيران ببرج العامري “إلى العلا” ويجسد شعار المؤسسة العسكرية التي دنا فيها من السحاب لأول مرة وانتمى إليها بكل كيانه على امتداد السنوات الخمس التي قضاها في التكوين في دروبها.
في عينيه تبرق شعلة التميز ويشع الشغف وهو يتفقد أجنحة الطائرة ومحركها ويتثبت من جاهزيتها قبل الإقلاع وكل ما دنت لحظة تشغيل محرك الطائرة تشعر أن ثقته بنفسه تتعاظم وهي نفس الثقة التي ترتسم في أعين أساتذته ومدربيه.
تمضي الطائرة حتى تختفي عن الأنظار ولا يتلاشى ألق الطيار “يسري القاطري”، ألق يتقاسمه المكونون والمدربون في مدرسة الطيران ببرج العامري التي كانت وجهة الصحفيين ضمن الزيارات الميدانية التي تنظمها وزارة الدفاع الوطني لفائدة وسائل الإعلام الوطنية.
“إلى العلا”، كلمة السر في المدرسة التي تمثل إحدى مؤسسات التعليم العسكري وتعد بمثابة الأكاديمية الجوية بالإضافة إلى كونها مركز تكوين في مجالات الطيران، وهي نتاج لعمل دؤوب على ترسيخ مبادئ حب الوطن ونكران الذات بالإضافة إلى جودة التكوين.
حيثما وليت وجهك في هذه المؤسسة الزاخرة بالكفاءات والنابضة حياة تمضي تلامس أنظارك على إيقاع خطوات الأسراب وهم يسيرون في مجموعات تتجانس فيها الخطوات وحركات الأيدي في محاكاة للوحات أسراب الطيور.
في ساحة العلم تأسرك الأسراب وتتطلع معها إلى السماء حيث يمر طائر “حاج قاسم” ويناور ويبدو لمروره المفاجئ دلالات ورمزيات تتشابك مع الموسيقى التي يخلقها وقع أنفاس التلاميذ ومع طائرة مترامية الأجنحة في مدرسة تخلق لك أجنحة وأنت تجوب ثناياها.
أجنحة الخيال تحملك إلى سنة 1934 حينما كانت المدرسة مهبطا للطائرات الحربية خلال الحرب فتتفكر في تلك الحقبة وتتساءل كم طائرة هبطت حينها في المكان وكم أرواحا سقطت في الحرب ولا ينتشلك من الخيال إلا صوت آمر المدرسة العميد قيس الصغيري وهو يواصل بسط لمحة تاريخية تمتد على عقود.
بعد الاستقلال بسنتين (1958) انبعث الديوان الوطني للطيران المدني، وبعد بعقد من الزمن (1968) تأسست مدرسة الطيران المدني والرصد الجوي، ليتم بعد ذلك بعث الأكاديمية الجوية التونسية بالقاعدة الجوية بصفاقس (1984).
بعد مضي عقد من الزمن نشأت مدرسة الطيران ببرج العامري إثر إدماج مدرسة الطيران المدني والرصد الجوي والأكاديمية الجوية التونسية، ومنذ سنة 1968 إلى سنة 2023 كانت المدرسة وجهة لتلاميذ من بلدان شقيقة وصديقة من 24 جنسية في اختصاصات طيارين ومهندسين وتقنيين.
ولأنها من أولى مدارس الطيران في إفريقيا كانت وجهة للجنسيات الإفريقية بالأخص في اختصاص الطيارين في إطار حركات التحرر على اعتبار أن هناك ميزا عنصريا يحرم الأفارقة من التدريب في اختصاص الطيران الذي بقي في فترة ما حكرا على “الرجل الأبيض”.
والمدرسة تضم في السنة التكوينية 2023/ 2024، 51 متربصا من دول إفريقية في إطار “رؤية 2030″ على مستوى إدارة التعليم العالي العسكري والتي تهدف إلى إحداث قطب إقليمي تونسي للتعليم الجامعي والتكوين العسكري ينفتح على الدول الافريقية.
وبرنامج التعليم فيها يضم تكويـنا عسكري وتكوينا علميا وإلى جانب كونها مؤسسة عسكرية هي مركز وطني مصادق عليه من طرف الطيران المدني للتكوين في ميادين الطيران، الجولان الجوي والرصد الجوي، وفيها يتم تنظيم الامتحانات الوطنية في ميدان الطيران المدني من طرف الإدارة العامة للطيران المدني.
أما مهمتها فتتمثل في تكوين ضباط قصد الحصول على الشهادة الوطنية لمهندس أو لمهندس طيار، وتكوين ضباط صف قصد الحصول على الإجازة التطبيقية في اختصاصات الطيران، وتكوين نظري وتطبيقي لفائدة متربصين مدنيين خواص بمقابل.
كما تشمل تنظيم دورات خاصة أو تكميلية لفائدة وزارتي الدفاع والنقل، وتنظيم دورات الامتحانات الوطنية للإدارة العامة للطيران المدني، والمساهمة في مجال البحث العلمي والقيام بتطبيقات علمية في مجال الطيران.
ولا يمكن الحديث عن التكوين في المدرسة دون الحديث عن الاختصاصات التي تشمل سياقة الطائرات والجولان الجوي وأنظمة الطيران والأرصاد الجوية والميكانيك والتيليميكانيك والاتصالات والإعلامية وهي فضاء لتكوين الضباط المهندسين وطياري النقل والطيارين المقاتلين وطياري الحوامة.
• وجودة التكوين والتدريب مرتبطة بالمعدات إذ تحتوي المدرسة على محاكيات الرادار والطيران و برج المراقبة ومخابر اللغة والانترنت والملتميديا مخابر الديناميك الهوائية والآلية والإلكترونيك وفرط التردد والكهرباء التقنية والمواصلات اللاسلكية وطائرات تدريب ذات محركين ومحرك واحد.
التطرق إلى الطائرات يحملك مباشرة إلى إدارة صيانة الطائرات صلب المدرسة والتي تشمل قسم التأهيل والمراقبة، وقسم المراقبة التقنية، والقسم التقني وتتمثل مهامها في الحفاظ على الجهزية قصد تحقيق المهام المرسومة بالتنسيق مع قاعة العمليات، والقيام بالصيانات المبرمجة وغير المبرمجة مع احترام معايير السلامة.
كما تشمل المهام تحضير الطائرات جسب البرنامج اليومي للطيران، التكوين النظري والتطبيقي للتقنيين على جميع أصناف الطائرات والإشراف على تربصات تطبيقية الفائدة تلامذة عسكريين ومدنيين، والمساهمة في التكوين النظري للتلامذة الطيارين المدنيين العسكريين والأجانب على جميع أصناف الطائرات، بالإضافة إلى تقديم خدمات لفائدة وحدات جوية وإدارات مدنية وتوفير مناضد تجارب.
وفي مصافحة للمحاكيات المتوفرة بالمدرسة يتجلى سعيها لمواكبة التطور التكنولوجي، إذ يعتبر محاكي برج المراقبة من أحدث اقتناءات المدرسة بدعم من جيش الطيران علما وأنها المركز الوحيد لتكوين مراقبي الجولان الجوي في تونس.
ومراقبة الجولان هي حركة الاتصال بين ابطيار والمطار والأرض والحفاط على سلامة الطائرات ومنع التصادم بينها وتأمين التدفق الجوي بالسرعة والنجاعة المطلوبين.
وهذا المحاكي معتمد من قبل القوات الجوية الأمريكية والمكتب الفيديرالي ويحتوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو يوفر محاكاة فعلية لكل المعطيات عبر عرض ثلاثي الأبعاد للمطارات، إذ تحتوي قاعدة بياناته على 3 مطارات تونسية و3 مطارات عالمية وجميع أنواع الطائرات.
ويمكن هذا المحاكي التلاميذ من تطوير مهارات الاتصال وبرمجة العديد من السيناريوهات التي تمكنهم من مواجهة وضعيات طارئة على غرار الحوادث والتغيرات الجوية، وتدريبهم على السرعة في اتخاذ القرار وضمان سلامة الطائرة.
ويتلقى التلاميذ تكوينا في اللغة الإنجليزية لاكتساب مهارات لغوية تمكنهم من تأمين المحادثات والاتصالات سواء كانوا طيارين أو مراقبي جولان والفهم الجيد والتفاعل وتجنب سوء الفهم الذي قد يؤدي إلى سيناريوهات غير محمودة.
وفي محاكي الطيران يواجه التلميذ ظروفا واقعية ويتدرب على إجراءات الطوارئ التي لا يصادفونها في مهمات عادية، وهو يحاكي عدة أنواع من الطائرات ويوفر تكوينا عمليا في كنف السلامة ويرفع جودة التكوين ويصور سيناريوهات للحالات العاجلة ويقلل من تكلفة الطيران.
وتحتوي قاعدة بياناته على جميع مطارات شمال إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وهو من الجيل الجديد للمحاكيات ولكن من المنتظر تعزيزه الشهر المقبل بمحاك أكثر حداثة في علاقة بالتكنولوجيات الحديثة بما يتيح تكوينا أفضل لخريجي مدرسة الطيران ببرج العامري.
وفي قاعة محاكي الرادار تقف وجها لوجه مع صناعة تونسية من ألفها إلى يائها بأيادي كفاءات تونسية لجيش الطيران ويمكن من التحكم في الطيران من خلال الحالة الجوية والمخاطبات الرادوية والتعريف بالحركة الجوية وإعطاء تعليمات للطيار وفق المعايير الدولية.
أما في مخبر الديناميك الهوائية فتظهر ريادة مدرسة الطيران إذ تضم النفق الهوائي الوحيد في شمال إفريقيا، وهو فضاء يضم فيه الضجيج الآذان ولكن يبدو أن التلاميذ والمدرسين ألفوه فهو يحاكي صوت المحركات المدوي.
ذبذبات الصدمة، وسرعة الصوت، والمحركات النفاثة، مصطلحات تقنية تتسرب إليك من وسط المخبر الذي يحكي بعضا من دقة التكوين في مجال الطيران الذي يخضع لضوابط وقواعد يرادف فيها الخطأ الموت.
وفي المدرسة العسكرية لبرج العامري اهتمام بالرياضة التي تضمن الجاهزية الجسدية للتلاميذ وهي جزء من يومهم الذي يشهد تعليما مخصوصا في المجالين العلمي والعسكري، وفي قاعة الرياضة يتدرب التلاميذ على إيقاع الموسيقى وتوجيهات المدربة.
والمدرسة تساهم في تطوير البحث العلمي من خلال مشاريع ختم الدروس وتربصات تطبيقية مهنية وبحوث علمية وتقنية في نطاق اختصاصها ووحدة بحث في هياكل الطيران والتحكم في الانسياب والأنظمة وتصميم ونماذج طائرات بدون طيار وصناعتها.
وانت تدخل مركز التطبيقات في ميدان الطيران تعترض ثلاثة نماذج لطائرات درون تم تطويرها في المدرسة وهناك توجه نحو تصنيفها بعد الوصول إلى نموذج بخصائص متطورة بعد عمليات تجريب متواصلة.
تتمثل مشمولات مركز للتطبيقات في ميدان الطيران بجيش الطيران في تطوير قدرات الجيش في التكنولوجيا المرتبطة بعلوم الطيران ومواكبة تطورها، إذ يهتم بتطوير القدرات في هندسة الطيران والتمكن من أساليب التصنيع في المجال.
ومن مهام المركز أيضا القيام بالدراسات التقنية المتعلقة بجميع المجالات المرتبطة بمنظومات الطيران واحتضان مشاريع ختم الدروس بمدرسة الطيران ببرج العامري إلى جانب المساهمة في إيجاد الحلول للإشكاليات التقنية الطارئة في ميدان صيانة الطائرات والمحركات وتوابع الطيران بالتنسيق مع القواعد والوحدات والدوائر المختصة.
وفيما تتوسط الشمس كبد السماء يتمادى نموذجنا من الدرون وترنو إليهما كل العيون، وكأن “إلى العلا” تعويذة لا تسحب فقط على المنتسبين لمدرسة جيش الطيران وإنما على زوارها أيضا.