الجونة/ مصر_ في بهوٍ تغمره الأصوات والظلال والوميض، يتجلى “باب الحديد” للمخرج يوسف شاهين كفضاءٍ تفاعلي يحتفي بالعين التي غيّرت وجه السينما العربية.
في مئوية يوسف شاهين، يفتح مهرجان الجونة السينمائي بوابة على الذاكرة، على السينما بوصفها حياة، وعلى المخرج الذي جعل من الكاميرا مرآةً للروح.
“باب الحديد” العبارة التي خطت بحروف عملاقة بلون أبيض يشق عتمة الأسود الذي يغلف الخارج تغريك باكتشاف المساحة القادمة من خانات الإبداع حيث تعزف كل التفاصيل على أوتار الجسد والحواس والذكرى.
كل زاوية في المعرض تستعيد شيئًا من شاهين، من جنونه الجميل، من شغفه بالإنسان، ومن أسئلته التي لم تهرم ومن هالته التي تتعتق بمرور السنين وفلسفته التي لا تعرف قيودا ولا حدودا.
منذ الوهلة الأولى، يدرك الزائر أنه أمام تجربة لا تكتفي بالاستحضار، بل تمارس الفعل ذاته الذي عاش من أجله شاهين: كسر الحواجز بين الفن والجمهور، فالمعرض يقترح سفرا حسيا يتجاوز المشاهدة.
الأصوات تهمس في الخلفية كصدى لحوارات قديمة، والمجسمات تروي حكاياتها عبر الضوء والحركة، كل شيء في المعرض صارخ وبين العتمة والنور، تتنفس روح “قناوي” ــ بطل “باب الحديد” ــ وتستمر في البحث عن خلاصها من عزلة أبدية.
والمعرض يتخطى كونه أرشيفا يوثق مسيرة إلى انغماس مفتوح على إرث شاهين وأثره حيث تتقاطع السينما مع الفنون البصرية، ويصبح التفاعل شكلاً من أشكال التذكر.
ولعل المديرة الفنية لمهرجان الجونة السينمائي ماريان خوري بما يجمعها من قرابة إنسانية وروحية مع شاهين (ابنة أخته وأكثر) أرادت أن تحتفي به بطريقة متفردة كما اختار دائما أن يكون.
وأما مهمة تحويل الرمزية السينمائية إلى تجربة حسية فتحمل لمسة المهندسة شيرين فرغل التي تنم عن وعي بالهندسة كفنّ سردي، وبالفضاء كوسيط بصري حيث تنفتح الجدران على أكثر من احتمال.
والحركة في المعرض مدروسة لتقود الخطى مثلما يرشد المونتاج حركة العين، إذ تظهر دوائر من الضوء لتستدعي اللقطات الشهيرة، وأجسام شفافة تلتقط انعكاسات الزائرين، كأنها تذكّرهم بأنهم جزء من المشهد.
فرغل لم تصمم معرضا بالمعنى التقليدي، بل نسجت لغة بصرية جديدة، فيها من الشاعرية بقدر ما فيها من العمارة، بأسلوب يشعر معه السائر في ثناياه أنه يتجوّل داخل ذهن يوسف شاهين نفسه.
وفيما تتقاطع الصور الفوتوغرافية مع المقاطع المصوّرة، والحوارات القديمة مع الموسيقى التي تراود الذاكرة والوجدان “طلعت يا ما احلى نورها” و”مصر يما يا باهية” و” زينة زينة” وغيرها من الأغاني التي تشكل الذاكرة من جديد وتعزف على وتر الحنين.
المعرض يتجاوز الذاكرة والحنين إلى محاولة لفهم معنى التحول عبر مسارات “باب الحديد”، وكيفية تحول الشخصيات إلى مرآة عاكسة لمجتمعٍ يتغير؟ في محاكاة لواحد من الأسئلة التي لاحقت شاهين في كل أفلامه.
“باب الحديد” لم يكن مجرد محطة في مسيرة شاهين، بل كان مانفستو ثورته، تمرّده على الشكل والمضمون، وعن ولعه بالمهمّش والهامشي والوحيد والمختلف والمعرض يستعيد تلك الروح.
ضعف الإنسان وقوته، انكساره ورغبته ثنائيات تجلت في المواد البصرية والسمعية والديكورات والتنصيبات ليتحول الفيلم من حكاية إلى طقس فني يتوقف الزمن على أعتابه ويتعانق الوجود والعدم وتتقد شرارة التفكير.
التجربة في بعض لحظاتها أقرب إلى التأمل الفلسفي حيث تقف ماريان خوري وشيرين فرغل في قلب البناء الجمالي الوفي لذاكرة شاهين في تكريم يتماهى فيه الذاتي بالموضوعي والفردي بالجماعي.
فماريان خوري تستحضر جزءًا من ذاتها ومن مسيرتها التي امتزجت بمسيرته وتواصل حفظ الذاكرة بدءا بعوالم الوثائقي التي فتحت أبوابًا على عوالم شاهين الداخلية، إلى هذا المعرض الذي يترجم رؤيته بلغة الفن المعاصر.
أما شيرين فرغل، فبمقاربتها التصميمية، نجحت في تحويل الفضاء إلى خطاب بصري متكامل، لا يحتاج إلى وساطة اللغة فكل عنصر في المعرض يتحدث بلغة الضوء والظلّ، بلغة الحركة والفراغ.
في عملها تتجلّى قدرة نادرة على ترجمة الفكر السينمائي إلى معمارٍ ملموس، لتصبح الجدران كواليس، والممرات شاشاتٍ معلّقة في الهواء لتحتفي بالإنسان والفنان في رحلته نحو المعنى وتجعلنا نتأمل الحياة بعيونٍ قلقة، شغوفة، محبة.
في “باب الحديد” نسرق لحظات من الزمن نعانق فيها ملامح من حياة المخرج يوسف بين الفن والجنون، وبين السؤال واليقين، بين والحلم والواقع ويبقى باب محاولات الحياة مفتوحا تماما كما تركه شاهين يوم رحل.
حالة من الانخطاف تتجلى بين صوت القطار الذي يخترق المكان كإيقاعٍ أبدي للحركة، وبين الوجوه التي تطلّ من شاشات صغيرة معلقة في العتمة حيث أصواتٌ شاهينية مألوفة تعيد صياغة الواقع وتتماهى مع الخطوات، ويتحوّل الفضاء إلى مشهد سينمائي متجدّد، لا نهاية له.
هذا الانصهار بين الذاكرة والتقني، بين الحنين والتجريب، هو ما يجعل التجربة فريدة، فـشيرين فرغل استطاعت أن تستعير من لغة شاهين مفهوم “اللقطة الطويلة” وتطبّقه على التصميم نفسه فلا قطيعة في المسار، بل حركة مستمرة تربط العناصر ببعضها، كما لو كانت الكاميرا تسير بخفة داخل وجدان الزائر.
كل تفصيلةٍ في المعرض المتملص من المألوف تحمل دلالة، وكل ركنٍ يروي قصة، وبين الحديد والظلّ والضوء، تظهر المحطة التي صارت استعارة للقاء بين القادمين والراحلين والتصادم بين المصائر كالتحام عجلات القطار بالسكة.
إنه عمل يفتح الباب أمام جيلٍ جديد ليرى في يوسف شاهين المخرج الذي آمن بالحرية إلى حد الجنون، والذي رأى في الإنسان، مهما كان هزيلًا أو مكسورًا، مركز الكون.