بقلم توفيق عياد *
حتى يتسنى الفهم الجيد لكل العناصر المتداخلة في معركة بنزرت وخصوصياتها لا بد من دراستها وفق العقلية السائدة في ذلك الوقت حين كانت روح المواطنة طاغية على الشعور بالأنانية وكانت خدمة الوطن بكافة مكوناته تمر في المقام الأول قبل خدمة الذات.
في الحقيقة شكلت معركة بنزرت الحلقة الأخيرة لسلسلة طويلة من كفاح مستميت ضد المستعمر منذ الاحتلال وبأساليب مختلفة تراوحت من المواجهات المسلحة إلى الحوار وصولا إلى وضع السلاح تبجيلا للمفاوضات. نتيجة لتلك السنوات الطويلة من الجهاد نشأت لدى المواطن روح العطاء والتضحية إذ اكتسب من العزيمة والصلابة ما جعله يصمد بكل بسالة وبشتى الطرق لكي يفتك حقوقه المشروعة ويحقق آماله في الحصول على وطن حر. فمعركة بنزرت ما هي إلا تتويج لمراحل طويلة من الجهاد ونموذج يحق له أن يدرس بأعلى الكليات الحربية وكذلك السياسية لما تجسده من روح العطاء والتضحية بالنفس والنفيس في سبيل تحرير الوطن من براثن العدو وتحقيق الاستقلال وكسب مناعته سواء كان ذلك بالحوار والطرق السياسية والدبلوماسية أو بقوة السلاح.
فهل كانت حقيقة، معركة بنزرت انتصارا لروح المواطنة؟ وإن كان الأمر كذلك هل كانت لها تأثير في محدثات معركة التحرير وهل كانت لها تداعيات على حركات التحرّر في العالم؟
وحتى أتمكن من التطرق للموضوع تدريجيا سأتطرق في بادئ الأمر إلى الوضعية العامة والخاصة في العالم وفي تونس ثم أمر لأبين كيف أن كسب روح المواطنة لدى التونسي أصبح رمزا لروح النصر والتحرر الوطني منذ بداية القرن العشرين الى الحصول على السيادة الكاملة بعد معركة بنزرت سنة 1961 والجلاء التام سنة 1963. سأركز بحثي هذا على معركة بنزرت وأستعين في ذلك بعدة أمثلة متنوعة وممثلة لكافة الأطياف المشاركة في المعركة. وحتى أظهر أهمية هذه المعركة أعتقد أنه من الضروري أن أبرز تداعياتها على البلدان المستعمرة في العالم وفي القارة الإفريقية التي إلى حد تلك الفترة، لازالت قابعة تحت الاستعمار الفرنسي خاصة منها الدّول المجاورة.
الحالة العامة والخاصة في العالم وفي تونس
لكي نفهم جيدا الدواعي التي أدت إلى كسب روح المواطنة وبالتالي اٍلى خوض معركة التحرير يجب أن نعود إلى الوضع العام العالمي وكذلك الداخلي في تلك الحقبة من الزمن.
منذ أواخر الخمسينيات اشتدت الحرب الباردة بين الشقين الغربي والشرقي وازداد الخطب تعقيدا بأزمة برلين خاصة بعد الهجرة الكبيرة للألمانيين الشرقيين إلى الغرب. (قرابة ثلاثة ملايين نسمة ما بين 1949 و1961) ونتيجة لذلك أقيم الجدار الفاصل بين شقي المدينة الواحدة (برلين).
إلى جانب الأزمة في برلين لا يجب أن ننسى حادثة خليج الخنازير في كوبا ومحاولة احتلال هذا البلد وقلب النظام فيه من قبل الولايات المتحدة فيما بين 17 و19 افريل 1961 أي قبيل معركة بنزرت وكان هذا العامل يشغل الغرب عن مطالبة الشعوب المضطهدة لسيادتها ومن ضمنها تونس.
أمام هذا الوضع حيث كان القطبان الشرقي والغربي على فوهة بركان، كان لا بد على البلدان الغربية أن ترصّ صفوفها وتوحد مواقفها وبالتالي لم تكن مكترثة بما يجري في بلدان العالم الثالث خاصة منها المستعمرة والدليل على ذلك ردة الفعل الشرسة للمستعمر ضد تونس في غياب كلي للقوى العظمى (الولايات المتحدة وبريطانيا) عند اندلاع الثورة مطالبة برحيل الاستعمار في سنة 1952. ولعل الدليل الأكبر يكمن في المجزرة التي اقترفتها القوى الفرنسية تحت الرئاسة المؤقتة للجنرال دي قول، بكل من” قالمة” و”ستيف” و”خراطة” من ولاية قسطينة بالجزائر ما بين 8 ماي و26 جوان من سنة 1945. خمسة وأربعون ألف شهيد كلهم مدنيون بين أطفال وشباب وكهول وشيوخ، نساء ورجال، سقطوا خلال سبعة أسابيع من المظاهرات مطالبين بحقوقهم. والغريب في الأمر، لم تحرك القوى العظمى ساكنا ضد فرنسا لارتكابها هذه الإبادة الجماعية.
وتعددت الأحداث وتغيرت الأسباب فبعد الهزيمة النكراء التي مني بها الجيش الفرنسي بالهند الصينية سنة 1954 والإذلال المميت الذي لحق بها بقناة السويس سنة 1956 والمقاومة الشجاعة الجزائرية بدأ التململ يدب في صفوف الجيش الفرنسي وازداد الوضع سوءا بعد التعدي السافر على ساقية سيدي يوسف (8 فيفري 1958) ومعركة رمادة في 24 و25 ماي 1958. وخاصة بعد محاولة انقلاب الجيش الفرنسي بالجزائر ضد الحكومة المركزية في 13 ماى 1958 والضغوطات الغربية المحتشمة التي تلت كل هذه الأحداث على الحكومة الفرنسية لقبول الحوار. أمام هذا الوضع المتردي والأزمة الخطيرة، قبل رئيس الحكومة الفرنسية “بيار بفليملين” بالأمر الواقع الشيء الذي لم يرض البرلمان الفرنسي ولا جيش الاستعمار المقيم بالجزائر وقد انجر عن ذلك المطالبة برجوع الجنرال “ديقول”. وتم ذلك بالفعل في غرة جوان من نفس السنة.
إلا أن الخطاب التاريخي للرئيس الفرنسي ديقول يومل 16 سبتمبر 1959 والذي أقر فيه بأن الجزائر للجزائريين وبعد دخوله في مشاورات مع جبهة التحرير الجزائرية بغية منح الجزائر استقلالها، تأجج الوضع من جديد حتى وصل الأمر بالجيش الفرنسي إلى محاولة انقلاب ثانية ضده وانقسامه بين مؤيد له ومناهض لهذه المساعي.
وللخروج من هذه الأزمة وحتى يسترجع الرئيس ديقول ثقة الجيش والتفافه حوله من جديد كان لزاما عليه أن يعطي للجنرالات الفرنسيين فرصة لاستعادة الثقة بأنفسهم وقيامهم بعمل بطولي. وشاءت الأقدار أن تكون أزمة بنزرت في الأفق. وحسب تقديره للموقف وباعتماده على تكافؤ القوى تراءى له أن العملية في متناول قوى نخبته من المظليين المتواجدين بالجزائر. وفي عدم اكتراث كلي بالموضوع من قبل القوى الغربية، قرر التعدي على بنزرت وعلى الشعب التونسي غير مكترث بالعواقب علما وأن عين ديقول كانت على بنزرت، كان يريد الحفاظ بها تخوفا من أن تتحصل الجزائر على استقلالها لم تتبق لفرنسا موطئ قدم ينطلق منها لمواصلة ابتزاز مستعمراته الإفريقية.
من جانب آخر لم تكن تونس تحظى بدعم من البلدان الإسلامية والعربية ويعود ذلك إلى السياسة البورقيبية التي أدارت لها ظهرها في كل مواقفها مساندة للغرب. أليس بورقيبة من قال:
Dans le cas où cela dépend de moi, si la Tunisie avait à choisir entre l’O.T.A.N. et la Ligue arabe, elle opterait pour l’O.T.A.N. « Déclaration de Bourguiba au Times le 22 mars 1956 ».
ومما زاد الأوضاع تأزما أن الإصلاحات الاجتماعية والدينية العاجلة والأكيدة التي اتخذتها تونس في بداية الاستقلال كانت تعد في زعم البلدان الإسلامية مضادة للشريعة وهذا ما ساهم في عزل تونس. ولم يكن هذا هو السبب الوحيد بل كان هناك عامل آخر لا يستهان به تسبب في خلق أعداء للسياسة البورقيبية ألا وهو عدم دعمها للبلدان العربية في اتجاهها السوفيتي الشيء الذي جعل من مصر والجزائر مناهضين لتونس ولبورقيبة على وجه التحديد. وذهب بهما الأمر إلى احتضان المعارضة ودعمها بشتى السبل والوسائل والمعدات بما في ذلك السلاح.
على المستوى الداخلي فالعوامل التي أدت إلى اكتساب الشعب التونسي روح المواطنة منذ بداية القرن العشرين كانت نتيجة تفاعل عدة قوى: الضغط الاستعماري الفرنسي، التعليم والثقافة الوطنية، التحولات الاجتماعية والسياسية، وكذلك التأثيرات العالمية. هذا كله خلق حالة من الوعي الوطني والتضامن بين مختلف فئات الشعب التونسي، مما أدى في النهاية إلى اندلاع الثورة التونسية في 1938. ثم عادت المواجهات سنة 1952. انتهت بمعركة الجلاء سنة 1961 مرورا بعدة تفاعلات سياسية تخللتها مرطون من المفاوضات. وحتى لا تكتسب هذه الدراسة صبغة الشمولية فسأقتصر على اكتساب روح المواطنة وتجسمها في معركة الجلاء النهائي. لذا لا بد من إعطاء فكرة حول الوضع الداخلي بالبلاد.
داخليا وبعد الحصول على الاستقلال، يجب الاعتراف بان الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لم يكن على أحسن حال. فمن الناحية الاقتصادية كانت تونس في ذلك الوقت، ورغم المجهودات المبذولة، بلدا فقيرا ذا اقتصاد هش وازداد هشاشة بعد سنة 1958 بحيث قطعت فرنسا إعاناتها المادية على تونس معللة ذلك بدعم هذه الأخيرة للثورة الجزائرية. فالفلاحة كانت بدائية وترتكز خاصة على القمح والشعير وزيت الزيتون إلى جانب التمور والكروم. وهذا بالطبع غير كاف للاستهلاك المحلي فما بالك بالتصدير. من جانب آخر لا يمكن أن نتكلم عن صناعة مكلفة بسبب ارتفاع أسعار الفحم والمحروقات المستوردة ومما كان يزيد الطين بلّة هو أن تونس في ذلك الوقت لازالت راضخة للتعامل بالفرنك الفرنسي وهذا ما يكبح اقتصادها أكثر.
أما من الناحية الاجتماعية فان الشعب التونسي في ذلك الوقت كان معظمه راضخا تحت وطأة الجهل مع نسبة نمو بشري تعادل 2 بالمائة.
سياسيا ومنذ بداية الاستقلال بدأت الأمور تتأزم أكثر فأكثر إذ بدأ نجم صالح بن يوسف يسطع في سماء تونس ويحظى بدعم مالي وعسكري وسياسي من قبل القيادتين بكل من الجزائر ومصر الشيء الذي حث المعارضة إلى حد القيام بأعمال تخريبية ومواجهة مسلحة منذ سنة 1956 وهكذا توسعت رقعة نفوذ صالح بن يوسف وتقلص إشعاع الرئيس بورقيبة وبالتالي بدأ يفقد التفاف الشعب حوله بصفة جلية.
فما هو الحل إذن؟ هل يكون الحل في اختلاق أزمة يخرج منها الشعب منتصرا وراء بورقيبة؟ أو ربما، كما كان البعض يفكر، أن الحل يكمن في إعطاء الأولية المطلقة لإصلاح الأوضاع الداخلية وتأجيل النظر في أراض تونسية ذات قيمة مثل بنزرت والجنوب التونسي لوقت آخر حتى يرضى المستعمر؟ بإيجاز، هل كان واجبا علينا تحرير بنزرت وما تبقى من أراض أخرى راضخة لسلطة ألمستعمر وتونس في مثل هذا الوضع المتأزم للغاية؟ وهل كان لبنزرت قيمة استراتيجية كبرى تستحق هذه المعركة؟ الجواب على كل هذه الأسئلة يستوجب في الحقيقة كتابة فصل كامل في الغرض ولكني ونظرا إلى حصر الموضوع في روح المواطنة لدى التونسي فاني سأختصر المسافات وأجيب بسؤال واحد: من التونسي الذي بعد اكتسابه روح المواطنة طيلة قرابة النصف قرن أن يقبل بذلك وهو الذي تعود على الكفاح وعدم الرضوخ للمذلة والإهانة؟ كل مواطن حر لا يقبل بان يخضع ولو شبر واحد من أراضيه لاحتلال مميت ومقيت وخاصة إذ كانت الغاية من ذلك استغلال الموقع لإيذاء بلد مجاور أو بلدان افريقية.
لهذا السبب أطلقت على هذه الدراسة عنوان “معركة بنزرت أو انتصار روح المواطنة”.
معركة بنزرت : تتويج وانتصار لروح المواطنة
روح المواطنة تعني اجمالا المشاركة الفعالة للفرد داخل المجتمع المدني على أساس اكتساب الحقوق والواجبات الفردية والجماعية والمشاركة بناء مجتمع مدني له سيادته ومقوماته والعمل على المحافظة على مكتسبات الشعب. من هنا يتعهد المواطن الصالح بالمساهمة في الأعمال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدفاعية وذلك لمناعة بلده وعزته وكرامته.
يقول أبو القاسم الشابي في قصيدته الشهيرة “إرادة الحياة”: “ومن لا يحب صعود الجبال، يعش أبد الدهر بين الحفر”. ويقول كذلك: «إذا طمحت للحياة النفوس، فلا بد أن يستجيب القدر”.
أما مختار كيتا عالم رياضيات غيني فيقول : “تعتمد الصورة الجميلة أو السيئة لمواطن ما، في غالب الأمر، على ميزات الرجال الذين يجسدونها”.
فهل بعد هذا الكلام هناك درجة أو ميزة أعلى وأسمى من الاستشهاد في سبيل الوطن؟ وهل هناك ميتة مثالية أحسن من الميتة في سبيل الوطن؟ كل صفات التضحية والوفاء للوطن وطلب الشهادة والحصول على ميتة مثالية جسمتها بكل وضوح روح المواطنة لكل التونسيين الذين توجّهوا إلى بنزرت لتحريرها من مخالب الغازي المحتل وتحقيق الاستقلال التام. لم تعد حياتهم ولا عائلاتهم تعني شيئا أمام كرامة وطنهم وحريته.
أمثلة ودلالات ثابتة على روح المواطنة
بالنسبة للمواطن الصالح والغيور يحتل عامل الإخلاص للوطن والتضحية في سبيله المرتبة لأولى يليه الولاء لجهته ولمدينته ولحيه ولعائلته وأخيرا لنفسه بعيدا عن الانتماء الضيق. وكما سأبينه لاحقا لا يقتصر هذا الوصف على فئة من الشعب دون سواه. وتأكيدا لذلك اخترت أمثلة مأخوذة من كل أطياف المجتمع التونسي وأردتها أن تكون مميزة وممثلة لها.
– الجيش الوطني:


حفر الخنادق بمحطة القطار من قبل المتطوعين
بدأ الاستعداد للمواجهة الأخيرة ضد المستعمر في بداية جويلية 1961 بعد أن استنفدت المحاولات الدبلوماسية وبدأ مع ذلك حشد أفواج المتطوعين من كافة جهات الجمهورية وكذلك الأمر بالنسبة للوحدات العسكرية القتالية العضوية منها والمتكونة للغرض وكانت تسمى بسرايا المسير. كل هذه الوحدات جمعتها مهمة واحدة: “إخراج فرنسا من بنزرت”.
ولبلوغ الغاية انطلقت الأشغال لبناء السدود[1] وكذلك لإعداد مواضع قتال بكل من محطة قطار “سيدي حمد” قبالة مدرج النزول والإقلاع بالقاعدة الجوية على بعد بعض الأمتار من الأسلاك الشائكة والخط الدفاعي أمام المدخل الرئيسي للقاعدة البحرية “المصيدة” وكذلك الأمر بالنسبة للخط الدفاعي الذي يمتد من برج تاج إلى سيدي صالح جنوب محطة الرادار بجبل الكبير وأخيرا خط الدفاع المستميت جنوب القناة والذي يبدأ بالرمال شرقا وينتهي على مشارف قرية سيدي عبد الرحمان غربا. وكانت الغاية من هذه الأشغال منع حرية تنقل القوات الفرنسية بين قطاعات القاعدة وتحسبا لكل طارئ في صورة لجوء فرنسا لاستعمال السلاح.

إنزال الأفواج الأولى من المظليين
ومع الساعة 17 و45 دق ليوم 19 جويلية 1961 بدأت عملية إنزال المظلين فوق مطار سيدي حمد فتلقتها قواتنا المرابطة بالمشارف الشمالية والغربية للمحطة بنيران كثيفة بمختلف الأسلحة: الهاون والرشاشات والبنادق وحتى المدافع المضادة للدبابات.

الطلقة الأولى للهاون 61
وهذه صورة ملتقطة من شريط وثائقي فرنسي “أنا أف أر” لأول طلقة هاون “61” تحت ذهول أنظار المظلين الذين لم يتوقعوا ردة الفعل هذه.
وكانت النتيجة لصالح قواتنا إذ كبدنا العدو قتيلين و23 جريحا وتدمير طائرة لنقل المظليين وإحداث أضرار بأخرى.

حطام طائرة النقل “نور أطلاس” المدمرة
كردة فعل من القوات الفرنسية، بدأت أسراب الطائرات المقاتلة في الهجوم على مواضعنا بمحطة القطار بكل شراسة حتى نزول الليل مستعملة لقنابل ذات الخمس مائة رطل وصواريخ ذات الأربعين مليمتر والرشاشات من عيار عشرين مليمتر. ومن فضل الله انه لم تقع خسائر من الجانب التونسي إذ احتمى الجنود بالمواضع المحفورة والتي لم تطلها صواريخ العدو وقنابله التي كانت ترمى من زاوية منحرفة. وفي الليلة الفاصلة بين 19 و20 جويلية وبكل روح قتالية بدأت السرية الاستعداد لخوض المعركة من جديد مع بزوغ أول شعاع الشمس. وبالرغم من مواجهة آلة الحرب الفرنسية الرهيبة لم يدر بخلد أحد الهروب تحت جناح الظلام وما من أحد من أفراد السرية قاطبة فكر في عائلته إذ لم يعد لأي كان سعر أمام تحرير أراضي الوطن لا أب ولا أم ولا زوجة ولا كذلك أبناء. كلهم فداء في سبيل تونس.

مجموعة صور مأخوذة من فيلم وثائقي ل أنا أف أر تجسد قوة النيران
ومع الساعة الرابعة صباحا أطلقت وحداتنا 160 قذيفة هاون “81” على القاعدة كما هو موثق بمجموعة الصور الملتقطة من شريط وثائقي فرنسي “انا أف أر” يجسم هول القذائف التي أمطرت القاعدة”.
وكانت النتيجة النهائية لهذا الرمي المدقق تدمير 16 طائرة من أنواع مختلفة وذلك باعتراف آمر القاعدة نفسه هذا إلى جانب إصابة عدة مبان وقتل العديد من الجنود وجرح آخرين.
مع كل أسف، كانت ردة فعل الفرنسيين عنيفة ومعتمدة خصوصا على طائرات نفاثة وفي هذه المرة تفطن الطيارون الفرنسيون إلى عمق المواضع فغيروا خطة الهجوم التي أصبحت تكاد تكون عمودية لإسقاط القنابل ذات 500 رطل وكذلك الصواريخ مباشرة في المواضع وكانت النتيجة دامية في صفوفنا ولم ينج من قرابة 80 عسكري إلا القليل هذا إلى جانب التدمير الكلي للمحطة كما تبينه الصورة.
إصرار الوحدات المنتشرة على مواصلة القتال
في اليوم الثاني للمعركة أي يوم 20 جويلية ورغم عدم تكافؤ موازين القوى واصلت قواتنا القتال بكل بسالة خاصة بسيدي زيد ودوار جعفر غربي القاعدة الجوية وعلى مشارف المدخل الرئيسي للقاعدة البحرية. وبينما كانت رحى الحرب تدور حول القاعدة بأعلى درجات البسالة والشجاعة والإقدام وروح التضحية جاءت التعليمات من القيادة العليا لوالي بنزرت المرحوم محمد بن لمين للالتحاق بتونس العاصمة بمعية الضباط المسيرين للمعركة، الشيء الذي يعتبر جريمة في حق من بقي من قواتنا العسكرية المنتشرة ببنزرت دون قيادة ولا تأطير ولا اعتماد خطة معينة لمواجهة العدو وهذا يعني حتما إبادة الجيش التونسي الفتي بما فيه من مقومات ومكونات وإلحاق وصمة عار به قد تلاحقه لعقود طويلة.
وفعلا غادر ساحة القتال ثلة من ضباط قيادة المعركة في أزياء مدنية تاركين الوضع على أحلك ما يكون غير عابئين ناسين أو متناسين أن القتال والموت بساحة الوغى أشرف من الهروب والعيش بذلة.

قائمة غير مستوفاة للضباط الذين أسعفوا الجيش التونسي من الغرق وهم من اليمين الى اليسار ومن فوق الى تحت: الملازم أول (م أ) صالح بوهلال، م أ عبد الرحمان شيحي، النقيب عبد الحميد بالشيخ، م أ نورالدين بوجلبية, م أ البشير بن عيسى , م أ عمار الخريجي, م أ عبد الحميد لجود, م أ محمد البنزرتي, م أ ناجي بن منصور.
تفطن للأمر ثلة من الضباط الشبان المتقدين حماسا للأمر والمؤمنين بواجباتهم الوطنية وأصروا على مواصلة القتال حماية لشرف الجيش التونسي والذود على الوطن كلفهم ذلك ما كلفهم. فاتصل أحدهم وهو الملازم أول نورالدين بوجلبيّة بكاتب الدولة للدفاع رأسا (المرحوم الباهي الأدغم) وأقنعه بان انسحاب الضباط ورمي السلاح والتخلي على بنزرت سيكون وصمة عار لا يمحوها التاريخ للجيش التونسي ولتونس ككل.
هنا، يجب أن نتصور المأساة الكبرى التي كانت قد تحصل لأفراد الجيش والمتطوعين ولأهالي بنزرت إذا فر الجنود. فهل كان سيسامحهم التاريخ؟ وهل كان مواطنو بنزرت سيسامحونهم؟ وماذا كانوا سيقولون يوم الحساب لمن كانت ستدوسه أقدام المظليين وسلاسل دباباتهم؟
بعد أن اقتلع هؤلاء الضباط الأمر بمواصلة القتال اجمعوا على خطة عمليتيه تقضي باللجوء إلى المدينة العتيقة لحمايتها مع ترك عناصر للتغطية وعرقلة تقدم الجيش الفرنسي داخل المدينة العصرية وتأخير تقدمهم حتى تتمكن أغلبية جنودنا من التحصن بالبرج الاسباني والمدينة العتيقة.
كان الجميع على دراية كاملة بان الكثيرين منهم سيستشهدون في هذه المعركة وخاصة منهم أولئك العناصر المنعزلة داخل المدينة الإفرنجية دون دعم وبما تيسر من المؤونة والذخيرة
ونجحت الخطة وتكبدت القوات الفرنسية خسائر في الأرواح خلال قتال دام أكثر من يومين وفشلت جميع محاولاتها لاقتحام المدينة العتيقة إلى أن جاء الأمر بوقف القتال يوم 22 جويلية 1961 على الساعة منتصف الليل والقاضي بعودة كل القوات من الجانبين إلى قواعدها الأصلية قبل بداية الاشتباكات. وفي هذا القرار اعتراف ضمني بأنه لم يكن هناك منتصر أو مهزوم وبالتالي ثمة فخر لتونس ولأبنائها.
الحرس الوطني وواقعة معمل الاسمنت
كل من اطلع على أحداث هذه الواقعة إلا وازداد فخرا واعتزازا برجال الحرس والوطني من قادة وأعوان. انتشرت وحدة قتالية تابعة للحرس الوطني يناهز عددها المائتي مقاتل بمعمل الاسمنت لحمايته وشاءت الأقدار أن تكون هذه المؤسسة الاقتصادية الضخمة متاخمة للقاعدة البحرية الفرنسية. وخطط رجالنا البواسل لذلك بكل جدية وحرفية وذكاء بحيث تصدوا بكل بسالة للعدو المتكون من مظليين وطائرات نفاثة وكذلك دبابات لمدة لا تقل عن ستة وثلاثين ساعة أي منذ يوم 19 بعد الزوال إلى صبيحة يوم 21. لقد أعدوا لهم كمينا محكما يقضي بايهام العدو بعدم وجود قوى عند تسللهم وبالانقضاض عليهم عند وصولهم إلى خط دفاعي أعد مسبقا تصعب فيه المناورة. وتمت العملية حسب المخطط المسطر مسبقا بكل نجاح. وعند استحالة التقدم أطبق عليهم رجال الحرس وانهالوا عليهم بوابل من الرصاص من مختلف أسلحتهم. فأقفل المظليون هاربين وخلال فرارهم تعرضوا لنيران كثيفة من قبل حظيرة تابعة للحرس الوطني كانت متحصنة بخندق جانبي على طريق انسحابهم. أسفر الكمين عن قتيلين وإصابة خمسة جنود من بين العدو. في اليوم الموالي قام المظليون بعملية مشتركة ومكونة من مختلف القوات بما فيها الطائرات والدبابات فلم يجدوا أمامهم سوى بعض الجثث لم تتمكن قواتنا من انتشالهم إذ تحصن أعواننا بالظلام لفك الاشتباك بعد إسعاف الجرحى ونقلهم لمراكز قريبة. عملية في غاية الشجاعة والحرفية باعتراف الفرنسيين أنفسهم.

صورتان مأخوذتان من” باري ماتش” تجسم هروب المظليين من أمام أعوان الحرس الوطني البواسل حاملين على أكتافهم الجرحى والقتلى.
المشاركة النسائية
كان لنساء تونس وبالخصوص منهن نساء منطقة بنزرت الكبرى دور ريادي قبل المعركة وخلالها وبعدها سواء بالإعداد المادي أو القيام بمظاهرات أو حتى المشاركة الفعلية في المعركة.
قبل الخوض في الحديث حول هذه المساهمات النسائية البطولية لا بد أن نعطي بسطة ولو صغيرة حول المشاركة النسائية في النضال للحصول على الاستقلال ثم الجلاء ايمانا منهن بروح المواطنة.
تكونت خلية شعبة نسائية ببنزرت سميت شعبة الحبيب بوقطفة وكانت الثانية على الصعيد الوطني. (الأولى تكونت بتونس العاصمة بعد الحرب العالمية الثانية) وحضرتها المرحومة شادلية بوزقرو المناضلة والناشطة السياسية منذ سنة 1934 وذلك يوم 15 جانفي 1952 بعد زيارة بورقيبة إلى بنزرت في 13 جانفي من نفس السنة حيث كان الاستقبال شعبيا ورائعا ولقد تمت بالمناسبة تعبئة نسائية كبيرة.
ومع انطلاق الشرارة الأولى للثورة كانت هذه الشعبة على أحسن استعداد للتحضير المادي تحسبا لكل طارئ إذ أنشئت مخازن احتياطية للمؤن وشرع في تكوين مسعفين وفي خياطة الأكفان وتواصلت المجهودات على هذه الوتيرة إلى حدود بداية المعركة.
وتكون فيما بعد الفرع الجهوي للاتحاد النسائي وكانت في ذلك الوقت رئيسته الشرفية زوجة المرحوم الشهيد الحبيب بوقطفة وكن يقمن بأعمال مشتركة مع الشعبة الدستورية والتي كان يرأسها المرحوم الطيب تقية.
* المظاهرات النسائية :
من الأعمال المشهودة التي قامت بها نساء بنزرت خلال معركة بنزرت، مظاهرة سلمية ضخمة، وقد كانت هذه المسيرة السلمية الوحيدة في العالم التي دارت تحت ضغط وتهديد الطائرات النفاثة للعدو والتي شفعت بدراما مأسوية إلى أبعد الحدود.
قبيل المعركة شرعت نساء بنزرت في التحضيرات والاستعداد المادي على قدم وساق بوتيرة أكبر من تلك التي دارت سنة 1952 فإلى جانب تخزين المؤن وإعداد الأكفان وتكوين المسعفات قررن القيام بمظاهرة نسائية سلمية تنطلق يوم 20 جويلية من وسط المدينة باتجاه القاعدة البحرية بالمصيدة للمطالبة برحيل المستعمر. فمنذ الصباح الباكر بدأت تتدفق النساء زرافات ومنفردات من كل الشوارع ليلتقين بساحة بوقطفة. وما إن صار وقت الضحى حتى لم يعد المرء يرى سواء بحرا أبيض من اللحاف و”السفاسر”. كانت الأغلبية الساحقة متكونة من مواطنات يتقدن حماسا رافعات للافتات تحمل شعارات سلمية مطالبة فرنسا بالرحيل.

السيد رشيد الذوادي (مؤلف كتاب “بنزرت أرض البطولة”)
يقول السيد رشيد الذوادي في كتابه “بنزرت أرض البطولة”: “وفي تلك الصبيحة غصت ساحة بوقطفة بمئات إن لم نقل ألاف من النساء والرجال بحيث يقول بعض شهود العيان كان أمامنا بحر ابيض من “السفاسر” والملاحف البيضاء التي كانت تكسو النساء وكنا لا نسمع إلا زغاريدهن مناديات بالجلاء”.
انطلقت المسيرة نحو المصيدة في التحام تام تحت حماية بعض الجنود الحاملين لبنادق فردية. كانت المجموعة متقدة حماسا وعازمة على المضي قدما نحو القاعدة البحرية الفرنسية بالمصيدة للضغط على الجيش الفرنسي وإعطائه الدليل القاطع بان الشعب التونسي برجاله ونسائه عازم على خوض المعركة سلميا حتى استرجاع سيادته كاملة.
وخلال المسيرة ولردع المتظاهرات بعث الأميرال “أمان” آمر القاعدة في بادئ الأمر بطائرة مروحية لاستجلاء الأمر ثم تبعتها طائرتان مقاتلتان على ارتفاع منخفض جدا لإرباك المتظاهرات بحيث كان أزيزهما يهز الأنفس رعبا ملقية بمناشير تدعو المشاركين في المظاهرة للاستسلام والعودة لديارهم ولكن العكس هو الذي حصل وكانت بذلك أول مظاهرة نسائية سلمية في العالم تدور تحت وطأة الطائرات القتالية التابعة للعدو. وما إن وصلت المسيرة إلى مشارف القاعدة البحرية بالمصيدة وعلى مستوى عمارة كانت تؤوي عائلات ضباط الصف الفرنسيين حتى فتحت نوافذ الشقق وانهالت زوجات هؤلاء الآخرين بوابل من الرصاص على المتظاهرات. كانت النتيجة درامية إذ جرحت 25 امرأة واستشهدت 11 أولاهن حبيبة الجبالية ولم يتعد على زواجها أكثر من أربعة شهور.

المرحومة حبيبة جبالية (أول شهيدات معركة بنزرت)

السيد الهادي الغالي (سائق سيارة إسعاف)
يقول السيد الهادي الغالي سائق سيارة إسعاف آنذاك انه لم يكن بين الجرحى المسعفين ولو رجل واحد.
في الحقيقة كانت هذه المسيرة هي الأولى التي دارت تحت قاذفات العدو ولكنها كانت الثانية في معركة بنزرت من حيث التوقيت. إذ وفي يوم 19 جويلية بعد الزوال وحسب الصورة الوحيدة التي تمكنت منها دارت مظاهرة نسائية أولى بمنزل بورقيبة باتجاه المرسى وتبدو السيدة ألمعروفي التي كانت تقود المجموعة في الصف الأول.

مظاهرة نسائية يوم 19 جويلية 1961 تقودها المناضلة السيدة المعروفي
مشاركة الإطار الطبي وشبه الطبي :
ولا يفوتني في هذه المناسبة أن اذكر المشاركة المميزة للممرضات بحيث كن حاضرات في الصف الأول بالمستشفى العسكري لإعانة الأطباء وكذلك كسائقات سيارات إسعاف. لقد أبدين خلال كامل أيام المعركة إقداما منقطع النظير. ولقد شهد لهن بذلك الإطار الطبي وشبه الطبي مؤكدين أنهم كانوا يستوحون منهن القوة المعنوية لمواصلة العمل وعدم الشعور بالتعب أو الملل.[2]

ممرضات منهمكات في إسعاف أحد الجرحى

ممرضة اسيرة حرب
وهذه صورة لإحداهن كانت تعمل سائقة سيارة إسعاف، وقعت أسيرة وأعتقد أن تكون فتحية بن عمر أصيلة مدينة صفاقس تعرضت سيارتها للقصف وألقي عليها القبض من قبل جنود الاستعمار الصورة من فيلم وثائقي فرنسي “انأ أف أر” مأخوذة لأسرى مجمعين بالقاعدة قبل نقلهم إلى برج تاج في أقصى شمال المنطقة.
دعم أهالي بنزرت ومساندتهم للجيش وللمتطوعين
لم يحظ هذا الجانب من معركة بنزرت بالعناية الكافية من قبل المؤرخين. وحتى لا نترك الحرية لألسنة السوء الفرصة للادعاء بأن سكان مدينة بنزرت لم يقوموا بالواجب لا بد من القيام ببحوث معمقة في الغرض. ومن جهتي، قمت بمجهود فردي حتى أتأكد من حقيقة الأمر. وفيما يلي بعض نتائج الاستقصاء أمدكم بها بكل أمانة ولكم كلمة الفصل النهائية.

المناضلة المرحومة آسية كندارة
أذكر مجددا بما صرحت به المرحومة آسيا كندارة والتي كانت في ذلك الوقت رئيسة الفرع الجهوي للاتحاد النسائي حول ما قامت به مواطنات بنزرت منذ أن انطلقت الثورة سنة 1952 إلى ما بعد معركة بنزرت والجلاء التام في أكتوبر 1963. (أنظر الفقرات ب 4 وب 41 وب 42).

السيد علي مزيان
أما السيد علي مزيان وهو أحد قاطني المدينة العتيقة فقد صرح لي في شهادته بان أباه وأصحاب المنازل المجاورة تخلوا طوعا عن بيوتهم بما فيها من مؤن ومعدات إلى رجال الجيش التونسي ولقد وظفت هذه المنازل كمقر للقيادة ومخازن للأسلحة والذخيرة وكذلك لتخزين المواد الغذائية وللراحة. واضطرت وحداتنا في كثير من الحالات إلى إحداث فوهات بالجدران المشتركة بين المنازل بغية التنقل بكل حرية بين أماكن الحي ومن نهج إلى آخر دون اللجوء إلى استعمال الطرقات حتى تتمكن من مفاجأة العدو ومغالطته والهجوم عليه من حيث لا يحتسب.

السيد محمد بن رجب التومي
السيد محمد بن رجب التّومي مناضل من الرعيل الأول، حكم بالإعدام من قبل القضاء الفرنسي لمشاركته الفعلية في الثورة والقيام بأعمال تخريبية. تطوع السيد محمد بعد المعركة التي دارت رحاها على خط دفاعي يربط بين منزل عبد الرحمان وغابة الرمال لإعانة الملازم أول محمد صادق سحتوت آمر السرية وقام بدفن شهداء الوحدة ثم استعار شاحنة تابعة لبلدية المكان لإسعاف الجرحى وإيصالهم إلى المستشفيات بتونس بعد أن تنكر ومن معه من المتطوعين في أزياء ممرضين حاملين بطاقات عبور مزيفة. والجدير بالذكر وبولاء تام، قام بعد ذلك بتجميع أزياء ومعدات عسكرية متبقية على ارض المعركة. واحتفظ بها بمخزن بمنزل عبد الرحمان ثم تم تسليمها إلى السلطة العسكرية بعد أن هدأت الأجواء.
دور الكشافة :

السيد حسن بنور (قائد في الكشافة)
للكشافة التونسية دور يذكر فيشكر قبل وخلاله وبعد المعركة. لم يخش هؤلاء الأشبال الموت ولم يكترثوا بقوة العدو وبطش قنابله ملقين بأنفسهم في صلب الاشتباكات مسجلين بذلك جرحى متفاوتة الخطورة. في لقاء شيق مع السادة

السيد حسن الكيلاني (عميد الشباب)
حسن بالنور قائد الكشافة والمرحوم محمد الكامل المدون وحسن كيلاني عميد الشباب دار الحديث لمدة لا تقل عن ساعتين حول دور الكشافة ومشاركتها الفعلية في الإمدادات اللوجستية والدعم الصحي لجرحى عمليتي الرمال الأولى والثانية تباعا يومي 19 و20 جويلية وكان ذلك جنبا إلى جنب مع رجال منزل جميل ممن كانت لهم خبرة في الإسعافات. وحتى لا ننسى دور هؤلاء الأشبال لا بد أن نعطي لكل ذي حق حقه ونكبر روح التضحية التي أبداها شبابنا الكشفي ونحي فيه استبساله إلى جانب كل القوى الحية من الجيش والحرس الوطنيين وكذلك من المتطوعين والمواطنين من متساكني المنطقة ومن خارجها.

السيد محمد الكامل (مدون
– قبيل بداية الاشتباكات :
على المستوى الوطني، أخذت القيادة العامة للكشافة عدة إجراءات عملية لمؤازرة المواطنين في محنتهم تلك فألغت كافة المخيمات وجمعت كل الجوالة في منطقة بنزرت للمشاركة في المعركة متخذين في ذلك شعارهم الدائم “كن مستعدا”. وكذلك كان الأمر على مستوى الجهة وأود أن أخص بالذكر منطقة منزل جميل لما تميزت به في هذا المجال، فمنذ بداية شهر جويلية وانطلاقة الأزمة الفعلية طلب من بعض فصائل الكشافة إعداد مكاتب لقبول المتطوعين وتسجيلهم ثم توجيههم إلى مراكز الإيواء بينما عينت البقية لمساعدة أعوان الحرس والجنود على إقامة السدود بالمفترقات الحساسة وأعانهم في ذلك أصحاب الشاحنات الكبرى المعدة لنقل المنتجات الفلاحية إلى سوق الجملة بتونس العاصمة وذلك بجلب الحجارة من المقاطع المجاورة لاستعمالها في السدود. وتحسبا لكل طارئ وقع تجميع المتطوعين من القادة وكذلك الجوالة في مخيم بغابة الرمال حتى يكونوا تحت الطلب وفي أسرع وقت للتدخل حسب الحاجة.
- أثناء الاشتباكات :
وبينما هم على تلك الحال وفي يوم 19 جويلية بعد الزوال أي يوم بداية المواجهة المسلحة حاولت زوارق حربية فرنسية الاقتراب من الرمال قصد إنزال جنود فتصدوا لهم بكل بسالة ومنعوهم من بلوغ الشاطئ. كانوا حقا محظوظين إذ يبدو أن الجيش ألفرنسي لم يتلق بعد الإذن بإطلاق النار وإلا ربما كانت تكون الكارثة. ولكن ما كل مرة تسلم الجرة. ففي اليوم الموالي كان حظهم مختلفا تماما. قامت طائرات العدو بغارات متكررة وهمجية على قوات من الجيش التونسي كانت قد أرست معداتها مؤقتا على جانب الطريق على حافة غابة الرمال. دام هذا الاعتداء من الساعة التاسعة صباحا إلى حدود الزوال ولم يسلم من هذا الاعتداء المخيم الكشفي حيث دمرت كل الخيام والأمتعة وأصيب ثلاثة عشر جوالا بشظايا قنابل كانت إصابة ثلاثة منهم بليغة. وما إن انتهت غارة الطائرات حتى هرع الناجون من الجوالة لإخماد النيران وإخلاء الجرحى غير مكترثين لأنفسهم.

أحد القادة يلاطف بنية من بنات اللاجئين
كان حظ الفصائل الأخرى التي عينت خارج المخيم لمساندة الجيش والحرس أوفر. فبعد الهجوم على غابة الرمال ركزت طائرات العدو رميها على السدود فأنزلت عليها بكل شراسة ووحشيه، وابلا من القذائف والقنابل دون اعتبار الرصاص من مختلف الأعيرة. وأمام عدم التكافؤ في القوى أخليت السدود بعد دفاع مستميت. كانت الخسائر في الأرواح جسيمة في صفوف الحرس ورجال الجيش بالسد المنتصب بمفترق الطريق الرابطة بين مدخل منزل الجميل والطريق المؤدية إلى تونس، ومن ألطاف ألله تلقت فصائل الكشافة التعليمات قبيل الاعتداء للالتحاق بقرية ماتلين لجلب الغداء المعد من قبل المواطنين.

قائد زمرة في صفاقس يسرد على أطفال اللاجئين بعض قصص الأدغال
- بعد المعركة :
لم ينته دور الكشافة بانتهاء الاشتباكات المسلحة بل تواصلت مجهودات أفرادها لفترة طويلة بعدها إذ كلفت بالاعتناء باللاجئين في مراكز الإيواء مقدمين لهم

السيد مروان مرابط
شتى أنواع الخدمات والعناية.
- متطوعون أحرار :
ولقد لاحظت أن هذا الاندفاع لم يكن مقتصرا على الكشافة الوطنية، فخلال أبحاثي التقيت ببعض من شباب بنزرت في تلك الفترة والتقت بعض الشهادات الصادقة حول اندفاعهم ومشاركة هم في المعركة كل من جانبه وحسب قدراته. فعلى سبيل الذكر لا الحصر قام السيد مروان مرابط أصيل مدينة بنزرت كان عمره آنذاك 17 سنة وبمعية ثلة من أصدقائه بالربط بين العناصر القتالية ومدهم بالمؤن والسجائر غير عابئين بنيران العدو حتى أنه كاد يصاب بطلق ناري أخطأ رأسه بأقل من شبر.
تداعيات معركة الجلاء على البلدان المجاورة وفي العالم
جاءت معركة بنزرت لتتوج مرحلة كفاح مرير دام طوال عقود متتالية بلغ أوجه في عشرية الخمسين بانطلاق الثورة في سنة 1952 بعد فشل الشوط الأول من المفاوضات. وكانت لكل هذه المراحل تأثيرها المباشر لا على حركات التحرر بالبلاد الإفريقية وبالخصوص الجزائر الشقيقة فقط بل حتى فرنسا نفسها.
إذ اندلعت الثورة الجزائرية سنة 1954 أي سنتين بعد مثيلتها التونسية التي كانت لها حافز لتأجيج لهيب المقاومة خاصة بعد دخول الحركة التونسية في مفاوضات مع السلطة الفرنسية من نفس السنة. ورغم تسارع الأحداث، تواصل التنسيق بين الشقيقتين وازداد هذا الارتباط وثوقا بعد استقلال تونس حيث تم استقبال الثوار الجزائريين وعائلاتهم ومد يد المعونة للمقاومين بالمؤن والمعدات والعتاد إلى جانب الأسلحة والذخيرة القادمة من مصر عبر ليبيا هذا بالإضافة إلى احتضان تونس للحكومة المؤقتة لجبهة التحرير الجزائرية.
أما على الصعيد الإفريقي وفي محاولة ذكية جدا من السلطة التونسية لتحسيس الدول الإفريقية جنوب الصحراء والتي لا زالت خاضعة للاحتلال، نظمت تونس المنتدى الإفريقي الثاني يوم 25 جانفي 1961 وفي خطاب تاريخي أمام بناية الحكومة بالقصبة حضره عديد الزعماء من افريقيا، أعطى ألرئيس بورقيبة بعدا إفريقيا لمعركة الجلاء الشيء الذي لم يرق بالمرة لسلط الاستعمار.
أخيرا والأهم من كل هذا يجب ألا ننسى الدور الذي لعبته أحداث ساقية سيدي يوسف في فيفري 1958 على الانقلاب العسكري بالجزائر ضد الحكومة المركزية الفرنسية في 13 ماي 1958. كانت لهذه الأحداث عواقب مباشرة في قلب الحكم في فرنسا إذ استقالت حكومة” بيار بفليملين” لخضوعها لضغوط الولايات المتحدة وبريطانيا للجلوس والتشاور مع السلطة التونسية وجيء بالجنرال ديقول الذي منذ بداية حكمه وعد بتحسين الأوضاع بالجزائر وبترحيل كافة قواه من كامل التراب التونسي باستثناء قاعدة بنزرت وأقصى الجنوب. ولم تكن هذه العاقبة الأخيرة لكل هذه التحركات. فعلى الصعيد الإفريقي كانت التداعيات أكبر وأعمق من ذلك. فحتى لا تنسج الدول الإفريقية على منوال تونس والجزائر بادر الجنرال ديقول بأخذ خطوة استباقية. وابتكر نظرية استعمارية جديدة في التعامل مع هذه البلدان المحتلة وبالاعتماد على الدستور الفرنسي الجديد المؤرخ في 28 سبتمبر 1958 قرر التخلي على الاتحاد الفرنسي المؤسس في سنة 1946 وتعويضه بالجماعة الفرنسية. وإن اختلفت التسميات فان الهدف واحد ألا وهو مواصلة الهيمنة الفرنسية على شعوب مستعمراتها ونهب ثرواتها الأرضية تحت غطاء جديد سمي بالاستقلال الذاتي. قام ديقول بإجراء استفتاء يمنح لدول جنوب الصحراء الكبرى إمكانية الحصول على الاستقلال التام فسارعت غينيا في التعبير على رغبتها وطالبت بتمكينها من حريتها وكان لها ذلك في أكتوبر 1958 إلا أنها وفي وقت وجيز للغاية دمرت اقتصاديا لتعمد فرنسا ضخ أموال طائلة كلها مزيفة في نظامها النقدي. بينما تحصلت المستعمرات الأخرى على الحكم الذاتي والذي بمقتضاه يحق لها أن يكون لها دستور وسلطة تنفيذية وأخرى تشريعية ونظام مدرسي خاص بها. لكن لم يكن ذلك غير غطاء لكي تواصل فرنسا استغلال ثروات هذه البلدان استغلالا فاحشا إلى يومنا هذا.
تداعيات انتصار روح المواطنة بتونس على حركات التحرر في افريقيا
كانت معركة بنزرت التي وقعت في جويلية 1961 بين القوات الفرنسية والجيش التونسي تتويجا لانتصا روح المواطنة لدى التونسي وكانت بذلك رائدة ومثال يحتذى به. ولكن هل يمكن أن نقوا انه كانت لها تداعيات على حركات التحرر في العالم، وفي إفريقيا خاصة في شمالها؟
أثناء الحرب العالمية الثانية والهزيمة المدوية لفرنسا أمام القوى الساحقة الألمانية بدأت الشعوب الإفريقية المستعمرة تكتسب نوعا ما من الثقة بالنفس وشرعت في التحرك استعدادا للمطالبة بالتحرر. الا أنه وما أن انتهت الحرب واستعادت فرنسا أنفاسها حتى قامت بمحاولة لطمس هذه الشعوب وابقائها تحت سلطاتها فبعثت بفكرة “الوحدة الفرنسيّة” في 27 أكتوبر 1946 والتي كانت تضم فرنسا من جهة ومستعمراتها من جهة أخرى. وكانت الأهداف المعلنة في ذلك الوقت تنسيق الأعمال وتوحيد الأهداف للنهوض بحضارات كل منها واستغلال مواردها وتوفير أمنها.
كانت هذه المعاهدة عبارة عن المولود الميت اذ لم تتعدّ قيمتها ثمن الحبر التي وقّعت به الى أن جاء دي قول سنة 1958 وأنجز اعتماد دستور جديد تمّ بمقتضاه استبدال الوحدة الفرنسية ب “المجتمع الفرنسي”[3]. Communauté française
بالرغم من استعادة قواها ومواصلة هيمنتها على مستعمراتها وابتزازها الا أنها منيت بهزيمتين أفقدتاها توازنها وثقة حلفائها فيها. فكانت الهزيمة الأولى في معركة “ديان بان فو” من 13 مارس إلى 7 ماي 1954 بينما كانت الثانية بقناة السويس في 29 أكتوبر 1956 ومما زاد في كبر الهوة بينها وبين حلفائها، قمعها السافر والمتكرر للثورة الجزائرية وتعديها العدواني والمأساوي على قرية سيدي يوسف سنة 1958مما أجبر بريطانيا والولايات المتحدة على تكوين هيئة للمساعي الحميدة كلّفت بفك النزاعات بين تونس وفرنسا من جهة والنظر في الانتهاكات السافرة ضد المقاومة الجزائرية والجزائريين على حد السواء. كل هذه التغيرات لم تثن فرنسا من مواصلة استغلالها ان لم نقل استعبادها لمستعمراتها جنوب الصحراء كما هو مبين بالمرجع أعلاه.
لم تكن لهذه المحدثات أيّ علاقة بمعركة بنزرت ولا حتى بالكفاح التونسي الطويل ضد المستعمر والذي تواصل بعد الاستقلال وانما هي كانت نتيجة ظروف جيواستراتيجية عالمية فرضت على فرنسا توخي اللين في معاملاتها وإعادة النظر في سياساتها الاستعمارية.
خلاصة القول وبصريح العبارة لم تكن لمعركة بنزرت أيّ تداعيات على حركات التحرر في المستعمرات الفرنسية جنوب الصحراء وهذا لا ينفي بطبيعة الحال تواجد ارتباطات تعاون وتشاور وتحديد المواقف مثل ما جدّ خلال الندوة الإفريقية الثانية المنعقدة بتونس العاصمة في جانفي 1960 لمعارضة التجارب النووية الفرنسية المزمع القيام بها في صحراء الجزائر ابتداء من فيفري من نفس السنة[4].
أمّا بالنسبة للجزائر فالوضع يختلف تماما نظرا للارتباطات الوثيقة بين البلدين جغرافيا وتاريخيا ودينيّا وحتى ثقافيا.
فمنذ اندلاع الثورة في كل من تونس والجزائر والمغرب بدأ التنسيق بين الحركات الثلاثة. ففي أفريل 1954 وقعت اتفاقية بمقر جامعة الدول العربية لمواصلة الدفاع كل من جانبه الى حدود تحقيق الاستقلال التام في البلدان الثلاثة. ثم ولإحباط هذه الجبهة سارعت فرنسا في تفكيكها بالإعلان عن نيتها اٍرجاع العاهل المغربي محمد الخامس الى العرش ومنح تونس استقلالها الذاتي. وبتحقيق هذا المكتسب فاٍنّ تونس لم تتخلّ عن واجباتها لإعانة الثورة الجزائرية بل يمكن القول إن الاستقلال مكنها من تقديم شتى الخدمات بطرقة فعالة أكثر مما لو كانت لازالت خاضعة تحت الاستعمار. فلقد مكنت القوى الجزائرية من عمق استراتيجي ودعمتها بالأسلحة والذخيرة ومن ميادين تدريب وأخرى للإقامة مخيمات مجهزة بشتى الخدمات للاجئين وذهب بها الأمر الى استقبال الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ومكنتها من تبليغ صوتها الى شعبها عبر موجات الإذاعة التونسية لمدة ساعة كاملة يوميا هذا الى جانب القيام بالعديد من المهام الدبلوماسية لفائدتها وتمثيل الجزائريين في المحافل الدولية في العديد من المرات.
بالطبع، كل هذا كان له تأثير إيجابي على الثورة الجزائرية الى أن دخلت في مفاوضات جديّة مع الجانب الفرنسي بغية الحصول على الاستقلال التام. فبعد الاعتداء على ساقية سيدي يوسف وتشكيل هيئة للمساعي الحميدة للضغط على فرنسا لمراجعة سياساتها القمعية تحركت المقامة الجزائرية على الصعيد الدولي وأبلغت صوتها للمرة الأولى اٍلى منظمة الأمم المتحدة الشيء الذي شكل ضغوطا على فرنسا فبادرت بمشروع الشراكة والتي بمقتضاه يصبح المواطن الجزائري فرنسيا يتمتع بنفس حقوق الفرنسيين والذي قوبل بالرفض التام وبمطالبة الفرنسيين بمغادرة البلاد والدخول في مفاوضات افتتحت في بادئ الأمر في “ملون” (سان ومارن) من 25 الى 29 جوان 1960 تبعها لقاء “أفيان” من 20 ماي اٍلى 13 جوان 1961 ثم “لوقران” في 19 جويلية 1961 تاريخ اندلاع معركة بنزرت والتي أخذ خلالها الجزائريون قرار توقيف المحادثات لما رأوه من انتهاكات و تعديات على الشعب التونسي أفقدتهم الثقة في الطرف المقابل. ثم وأخيرا استؤنفت المفاوضات بصفة جدية في “أفيان” مرة أخرى والتي انتهت في 22 مارس 1962 بإعلان استقلال الجزائر في 5 جويلية 1962.
في الختام يمكن القول بأن للثورتين الجزائرية والتونسية وان كانت مختلفة الأساليب، ارتباطات عديدة ومتنوعة الاشكال أدت في نهاية المطاف الى تحقيق استقلال البلدين مقابل تضحيات جسام وان كانت متفاوتة لاعتبار السياسات المتبعة في كل منهما وكذلك لاختلاف نمط الاستعمار الذي سلط عليهما.
الخاتمة
عملت القوى السياسية منذ بداية التحرك لمقاومة المستعمر على تكوين التونسي وطنيا وشحذ روح الوطنية لديه وغرسها في كيانه حتى أصبح يؤمن بقضيته وأن وطنه لا يعلو عليه شيء. فأصبح بذلك ينساق وراء قيادته وينفذ تعليماتها دون تردد أو تململ. ولعل أن هذا الحس المفعم بالشعور بالوطنية لدى الشعب التونسي هو الذي دفعه لأخذ القرار النهائي للانعتاق من المستعمر والتحرر من قيوده. فمنذ أن بدأت المقامة المسلحة سنة 1952 التف الشعب التونسي حول قيادته في كل القرارات التي أخذها سواء كانت المواجهة المسلّحة أو القيام بعمليات تضييق الخناق على المستعمر أو حتى رمي السلاح والتفاوض كجنوح للحلول السلمية الى أن استوفت كل الحلول ولم تبق الا المواجهة والعودة للسلاح كحل نهائي لافتكاك الاستقلال التام. التف الشعب بكل أطيافه ومن كل جهات الجمهورية لنصرة القضية التونسية واسترجاع قاعدة بنزرت وأقصى الجنوب التونسي آخر معقلان للاستعمار. فهبت كل القوى المدنية من الجنسين والعسكرية وشبه العسكرية وتجمعت ببنزرت بطريقة عشوائية وغير محبوكة الخيوط. ألاف من الشباب الدستوري والجيش والحرس الوطني وجدوا أنفسهم في مواجهة فرن ناره متقدة غير مكترثين بأنفسهم ولا عابئين بحياتهم ملقين بمبدئ توازن القوى عرض الحائط. فمن جهة، جحافل لجيش العدو فائق التجهيز ومدعوم بالطائرات الحربية المقاتلة وبالدبابات الثقيلة إلى جانب أسطول بحري يتكون من حاملة طائرات إلى مراكب إنزال مرورا بخافرات السواحل والمدمرات. وفي المقابل جموع من المتطوعين الشجعان الثائرين والمتحفزين للدفاع عن عرضهم وشرفهم وحرية وطنهم مسلحين بما تيسر من معدات وأسلحة قديمة ومتواضعة هرعوا لدعم الجنود وأعوان الحرس حديثي التنظيم والتكوين وقليلي العتاد والمعدات.
إذا كان الأقوى في هذه المواجهة المزورة لم يحقق أي مجد، فإن الأمر كان عكس ذلك تماما بالنسبة للتونسيين الذين لم يكن لهم سلاح سوى الوطنيّة. فلا أحد كان يتخيل أنه بإمكان قواتنا الشعبية أن تصمد بندية أمام نخبة من الجيش الفرنسي وتضيقه الألم ومرارة الهزيمة وتتمكن من تكبده خسائر في الأرواح والمعدات. كما لم يكن أحد يتصور بما في ذلك الرئيس الفرنسي نفسه أنه يمكن لتونس أن تخرج منتصرة سياسيا ودبلوماسيا من هذه المعركة وهي لا زالت حديثة العهد بالاستقلال.
إن فرضت هذه المعركة على التونسيين فلم يكن لنه مفر من خوضها لإنقاذ شرف شعبنا الفتي. فإذا أراد الفرد العيش بكرامة لا بد من قبول المواجهة. ومن لم يقبل القتال يعيش تحت طائل الذل والمهانة فكانت هذه فرصة لنثبت للعالم بأن التونسي كان عبر التاريخ ولا يزال مستعدا للتضحية بالنفس والنفيس في سبيل مناعة وطنه وعزته واستقلاله كما لا يزال يقوم بدور القدوة للشعوب الأخرى وفي كل المجالات.
فمعركة بنزرت كانت أكثر من مجرد صراع عسكري بين تونس وفرنسا؛ فقد كانت انتصارا لروح المواطنة وبذلك كانت حدثًا محوريًا في تسريع عملية تحرير إفريقيا من الاستعمار، وقد ساعدت في تعزيز الإرادة الشعبية في العالم الثالث. كما ساهمت في تشكيل وعي أفريقي ودولي بأن الاستعمار قد انتهى وأن حركات التحرر أصبحت في وضع أقوى لتحقيق أهدافها
هكذا جسدت هذه المعركة الدليل القاطع لانتصار روح المواطنة والتحرر من ويلات الاستعمار. فلا عاش في تونس من خانها ولا عاش من ليس من جندها.
[1] وكان عددها سبعة عشر(17) منتشرة من منزل بورقيبة إلى منزل جميل مرورا ببنزرت
[2] جريدة أفريك أكسيون ليوم 26 جويلية 1961
[3]Voir article « Le général de Gaulle souhaitait-il céder ou non la base aéronavale de Bizerte avant le conflit armé ? paragraphe II »
[4] Voir article « Pourparlers tuniso-français 1950/1963 »
* عميد متقاعد بالجيش الوطني
** الصور من اقتراح كاتب المقال