في ظل التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي، وتغيّر ملامح سوق الشغل، لم يعد التشغيل مسألة تقنية مرتبطة بعدد مواطن الشغل المتاحة، بل أصبح رهين قدرة الفاعلين على بناء الشراكات وتشبيك العلاقات بين الجامعة والمؤسسة، وبين المعرفة والاقتصاد، وبين التكوين والاندماج المهني.
في هذا الإطار، يندرج منتدى الأعمال 2025 الذي تنظمه الجامعة العربية للعلوم بعنوان “من أجل اقتصاد مستدام: الابتكار، والتحوّل، والتطوّر”، كمحطة تفكير جماعي في سبل بناء جسور فعلية بين عالم الأكاديميا وعالم الأعمال.
وتأتي هذه التجربة لتثبت أن الجامعة تنفتح على محيطها، وتحوّل المعرفة إلى قوة اقتراح وإنتاج قادرة على لعب دورها الاجتماعي والاقتصادي.
وفي هذا السياق قال نائب رئيس الجامعة العربية للعلوم المكلف بالجودة والتجديد والبحث العلمي الطاهر خير إن منتدى الأعمال فرصة جيدة لاحتضان المؤسسات الصناعية والاقتصادية واطلاع الطلبة على أنشطة المؤسسات.
وأشار، خير، في تصريح لرياليتي أون لاين، إلى أن المنتدى الذي تدأب الجامعة على تتظيمه مرتين كل سنة يحمل في ثناياه تربصات وزيارات وانتدابات وفرصا للتعاون الدائم والمشترك .
وأضاف ” نحن تجاوزنا مرحلة انفتاح الجامعة على المحيط بل نطمح الآن إلى، ترسيخ ودمج الجامعة تماما في محيطها الصناعي والاقتصادي”، معتبرا أن نجاح الجامعة العصرية الآن مربوط بمدى اندماجها ومشاركتها في صياغة البرامج واحتضان الطلبة وفتح آفاق تشغيلية.
ومن هذا المنطلق يكرّس منتدى الأعمال مفهوم الجامعة المتشابكة، التي لا تكتفي بتخريج الطلبة، بل تعمل على إدماجهم المبكر داخل المنظومة الاقتصادية، عبر اللقاء المباشر مع أصحاب المؤسسات، ورواد الأعمال، والخبراء، وصنّاع القرار الاقتصادي.
ويوفر المنتدى فضاء حيّا يلتقي فيه الطلبة بالمؤسسات، بوصفهم باحثين عن شغل وكفاءات قابلة للتطوير، وحاملي أفكار ومشاريع.
داخل هذه المساحات المشتركة، تولد فرص الشغل أحيانًا من نقاش عابر، أو من عرض فكرة، أو من مشروع جامعي يجد طريقه إلى التطبيق ليتحول المنتدى إلى منصّة توليد فرص.
ويطرح منتدى الأعمال سؤال الدمج بوصفه مسارا، لا نتيجة نهائية للدراسة، فالإدماج المهني لا يبدأ عند التخرج، بل أثناء التكوين نفسه، ومن خلال الشراكات مع المؤسسات الاقتصادية، يصبح الطالب على تماس مباشر مع متطلبات السوق، ومع ثقافة العمل، ومع المهارات التي قد لا تدرّس في القاعات.
ويتيح هذا التفاعل فهما واقعيا لانتظارات المشغّلين، وتطوير المهارات العملية وتقليص الفجوة بين الشهادة والكفاءة، بالإضافة إلى بناء مسارات اندماج أكثر سلاسة واستدامة.
ولا يراهن المنتدى على إدماج الطلبة في وظائف قائمة فقط، بل يفتح النقاش حول خلق وظائف المستقبل، فالابتكار، الذي يشكّل محورًا أساسيًا في هذه النسخة، يُعدّ مدخلًا لإعادة التفكير في التشغيل، عبر الاقتصاد الرقمي، والمبادرات الخضراء، والمشاريع الناشئة.
ويطرح منتدى الأعمال أيضًا رؤية مختلفة لمسألة التشغيل، تقوم على اعتبارها مسؤولية جماعية، فالمؤسسة الاقتصادية ليست مستهلكًا للكفاءات فقط، بل شريكًا في تكوينها، والجامعة ليست مزوّد شهادات، بل فاعلًا في التنمية.