صدر عن المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر (جامعة منوبة) كتاب جديد من تأليف الباحث الشاب خالد الرمضاني صاحب الخامسة وثلاثين ربيعا. وقد تعهّد المؤرّخ ومدير المعهد خالد عبيد بتقديم هذا المؤلًّف الذي اختار له صاحبه عنوان “مجال سيدي عمر بوحجلة: من البداوة إلى الاستقرار 1858-1962”
في سياق تقديمه لهذا الكتاب الذي تجاوز عدد صفحاته 400 صفحة، يقول خالد عبيد “وقد حاول جاهدا (المؤلّف)، -ونجح في ذلك-، أن يبرز الدينامية الداخلية لمجتمعه هو، ولبيئة ترعرع فيها وشبّ، فنشأ مزهوّا بها لا في حدّ ذاتها، بل لأنّها جزء من الكلّ، من الوطن التونسي، لذلك بدت دراسته موضوعية تحاول أن تسبر أغوار مجتمع “محلّي” على امتداد قرن كامل، شهد فترة الحكم المترنّح للبايات والأزمة الكبيرة لستينيات القرن التاسع عشر، وتعرّض إلى “جبروت” الآلة الاستعمارية التي تحكّمت في تونس منذ سنة 1881، وعايش أمل بناء الكيان التونسي المستقلّ منذ سنة 1956.
والأكيد أنّ هذا المجتمع “المحلّي”، مجتمع “مجال سيدي عمر بوحجلة”، حاول أن يثبت ذاته من خلال الإصرار على البقاء والتأقلم والمقاومة والبناء والخيبة أحيانا حسب الفترات المختلفة التي مرّ بها، والتي لم تكن في جلّها باليسيرة عليه، لكن الثابت على الأقلّ أنّ نمط “الاستقرار” قد أصبح حقيقة واضحة وأنّ نمط “البداوة” قد ولّى وانتهى، والراسخ أنّ الشعور السائد لدى هذا المجتمع، بالرغم من كلّ شيء، هو الانتماء إلى مجتمع أكبر وإلى رقعة أوسع وإلى وطن أكبر من “وطنه الصغير”، حتى وإن أصابه منه بعض الضيم أحيانا، لكن هذا الشعور بات واقعا لا رجعة فيه”.
ويواصل خالد عبيد في تبيان نقاط قوة هذا الكتاب “لا يمكن، وأنت تتصفّح كتاب خالد الرمضاني، إلاّ أن تتأكّد شيئا فشيئا بأنّ هذا البحث أخذ من وقته الكثير واستنزف جهده وتفكيره وكرّس له الأيّام والليالي ذوات العدد حتى تمكّن في في نهاية المطاف من أن يخرجه في أبهى حلّة، واعتقادي أنّ خالد الرمضاني يكفيه أن يرى كتابه النور حتى يشعر بالغبطة لأنّ جهده لم يذهب سدًى”.
ولعلّ ما يحسب أيضا للمؤلِّف الحائز منذ سنة 2021 على شهادة الدكتوراه في التاريخ والآثار والتراث من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس أنه بحسب خالد عبيد قد نجح في اجتناب “مزالق تسييس التاريخ” التي “سقط فيها البعض -للأسف- في مواضع أخرى عن عدم رويّة والبعض الآخر عن رويّة، وذلك لأنّ النزعات القبلية التي ما زالت موجودة في المجتمع التونسي ولم تتمكّن الدولة الوطنية من القضاء عليها؛ وهي سرعان ما تشتدّ وتتعاظم بمجرّد ضعف الدولة المركزية، فيصبح الانتماء إلى العرش أو البطن أو القبيلة سابقا للانتماء إلى الوطن، وطن الجميع، وهذا ما لاحظناه بكلّ أسف في السنوات الأخيرة”.
يذكر أن الكتاب يعرض للبيع للعموم بسعر 35 دينارا.