يحدث أحيانا أن يتواطأ القدر مع الواقع ليصنع مصائر لا تشبه النوايا الأولى، مثلما كانت حكاية غابي خوري، مهندس الكهرباء الذي عاد إلى مصر ليواصل العمل في مجاله، وإذ به في عوالم تصل ما انقطع بين الحرفة والحلم وبين الصناعة والخيال.
لم يخطط لأن يكوم في السينما، لكنه وجد نفسه داخل دهاليزها، يقوده يوسف شاهين إلى منطقةٍ أخرى، يسكنها الضوء الذي ينير العتمة ويفتح الأعين على معنى الفن.
ثلاثة أشهر قضاها خوري في مكتب شاهين دون أن يتبادلا حديثًا فنيًا واحدًا، حتى جاء اليوم الذي قال فيه “بقالك تلات شهور بتتكلم كهربا ومش كهربا… أنا عايزك تشتغل”، كانت تلك الجملة بمثابة الشرارة الأولى لمسيرته في عالم الإنتاج.
اللحظة الأولى لتغير مساره المهني أحياها في ندوة انتظمت في مهرجان الجونة السينمائي احتفاء بيوسف شاهين مخرجا تجاوز حدود الشاشة ليتحول إلى ظاهرة فكرية وجمالية أثرت في كل من عايشها.
منذ تلك اللحظة، بدأ خوري يتتلمذ على يد أستاذ كان يرى في السينما مزيجا من الدقة والجنون، ومن الحرفة والشغف، ومن الفكرة والنبض الإنساني، إذ لم يكن مجرد مخرح، بل مِخبرا بصريا متكاملا يعلم دقائق كل خلية في جسد الفيلم.
على إيقاع حديث غابي خوري يتجلى يوسف شاهين وهو يفك الكاميرا ويعيد تركيبها، ويختبر الإضاءة، ويوازن الإيقاع الموسيقي، ويتابع المرتبات اليومية وكلفة الفوانيس في موقع التصوير، حيث كانت السينما لديه حياة كاملة، لا تقبل الفصل بين الاقتصاد والإبداع، بين الموهبة والتنظيم.
غابي خوري الذي جاء من عالمٍ تُقاس فيه الدقة بالواط والفولت، وجد في شاهين أستاذا جعل الصعب هينا، لم يكن يفهم شيئا في البدايات ولكن جلوسه إليه لساعات يومية جعله يوغل في عوالم الضوء.
في لحظة فارقة، ظل غابي خوري طريق هندسة الكهرباء إلى الإنتاج وراكم في داخله خرائط دقيقة للمشاهد، وإرثا من صرامة المعلم وفضوله، ليتحول لقاءه مع يوسف شاهين إلى شراكة عمر في شركة أفلام مصر العالمية.
هذه التجربة تمددت من المحلية إلى العالمية، وظل فيها وفيا لمعلمه الأول الذي ترك مساحة فراغ لم يكن قادرا على مواجهتها في البدء ولكن عوالم السينما اختبرت وقوفه لوحده بعد يوسف شاهين.
برؤية أكثر براغماتية، لكنها ما زالت مشدودة إلى البدايات الأولى، وفي زمن تغيّرت فيه قواعد اللعبة، استطاع غابي خوري أن يحافظ على توازن نادر بين الوفاء والتجديد في الشركة.
ما يُميّز خوري حقا، ليس فقط حِسه التجاري ولا انفتاحه على السوق العالمية، بل إخلاصه لما يمكن أن نسمّيه الذاكرة البصرية للسينما المصرية، حين قرّر ترميم أفلام يوسف شاهين وترجمتها، لم يكن ذلك مشروعا تقنيًا، بل إخلاصا عميقا للمعلم.
فقد أراد أن يُبقي إرث شاهين حيًا، أن تظلّ صورته مضاءة كما كانت، أن تبقى الكاميرا في عيون الأجيال الجديدة شاهدةً على الجمال والإصرار وأن ترسخ فرادته واختلافه ورؤيته المغايرة للاشياء من حوله.
وبين المهندس الذي كان يبتغي مواصلة العمل في مصر بعد تجارب في الجزائر والكويت والمُنتج المجدد الذي يوازن بين الإبداع والمساءلة، وبين الصورة والسوق، بين الوفاء والتطور ، تمتدّ مسافة من الصدفة إلى القدر حيث تجلت مسيرة إصرار واستمرار.