في الزوايا الصغيرة للحياة حيث يتقاطع البسيط بالمعقّد، يطلّ مهاب السنوسي بابتسامة لا تشبه غيرها، ابتسامة خفيفة ومتصالحة مع القدر، كأنها تنبثق من يقين داخلي بأن الخسارات اليومية لا تساوي شيئا أمام مكسب واحد هو الإيمان بالحرية.
“الله يربح” عبارة ارتبطت به في يوميات أسطول الصمود العالمي في اتجاه سواحل غزة، جملة قصيرة وبسيطة، لكنها تكاد تختصر فلسفته في العيش.
في اللحظات العصيبة، في النقاشات وفي النكسات الصغيرة، كان يردد هذه التعبيرة التي كانت صدى لطبعه وهو المسالم المطمئن والعنيد في تمسكه بما يؤمن به.
في حضور مهاب، تشعر أنّك لست وحدك فهو يجيد تحويل ثقل اللحظة إلى دعابة، وزرع الطمأنينة في قلوب المتعبين بابتسامة تُضيء كفتيل شمعة في غرفة معتمة.
صدقه الإنساني يفيض من حركاته البسيطة وكلماته العفوية، وربما هنا تكمن فرادته فهو لم يسع يوما إلى البطولة، لكنها لحقت به حين أشهر علم فلسطين في ميناء أسدود، كما لو كان ذلك المشهد خلاصة طبيعية لمسار كامل من القناعات.
حين وقف وزير داخلية الكيان المحتلّ في الميناء ملوّحًا بالتهديد، كان المشاركون يهتفون بحرية فلسطين، كل فلسطين، لكن مهاب اختار فعلا يتجاوز الهتاف فأخرج علما كان يخفيه بين طيات ثيابه، ورفعه عاليا شامخا في وجه العدو.
ما فعله مهاب ليس حركة عابرة بل لحظة كثيفة تختزل معنى التضامن صاغها شاب تونسي، بعيد عن جغرافيا فلسطين، لكنه ملتصق بها بروحه وكان العلم امتدادا لنبضه الداخلي، لابتسامته، ولتعبيرة “الله يربح”.
حركته استفزت الاحتلال الصهيوني فانقض عليه عناصر الشرطة ضربا، لكن من يعرفه يكاد يجزم أن أن وفاءه لما يؤمن به خفف عليه الوطأة وأن ابتسامته أبت أن تغادر وجهه فيما امتلأت روحه بالربح الحقيقي.
الاعتداء كان عنيفا، قاسيا على جسده، لكن معنوياته ظلّت عالية، ومن خلف القضبان، نقل محاموه أنّه حيّا الشعب التونسي وكل الشعوب الحرّة، وطلب أن يُواصل الضغط من أجل إطلاق سراح جميع المشاركين.
مهاب السنوسي الإثاري أراد أن يقول ” لا تنشغلوا بي وحدي، فالمعركة أكبر من فرد، والحرية لا تُختزل في شخص، ويرسخ قدرته على الذوبان في الجماعة دون فقدان الفرادة.
من الصعب أن تكتب عن مهاب السنوسي فشخصيته لا تختصر في الشعارات والكلمات فهو الصديق الذي يمازح بجدية، ويعرف كيف يخفف وطأة الفقد بكلمة بسيطة، والذي يردّد “الله يربح” كل حين، والمقدام الذي لا يهاب زبانية الاحتلال،
هو ابن بيئة يعرف تفاصيلها وأعباءها، لكنّه حوّل تلك العادية إلى رصيد قوة، وكانت كل ابتسامة يوزعها في مقهى أو شارع أو تحرك تدريبا صغيرا على ما فعله لاحقا وهو يرفع علم فلسطين أمام جنود الاحتلال.
فرادة مهاب لا تأتي فقط من شجاعته في تلك اللحظة، بل من إنسانيته اليومية، من طريقته في تحويل الحياة إلى مساحة أكثر احتمالًا، من إصراره على أن السعادة ليست نقيض النضال بل رفيقته.
كثيرون يتصورون أن المناضل متجهّم ومثقل بالجدّية، لكن مهاب كسر هذه الصورة فابتسم وهو يقاوم، ومازح وهو يواجه، وقال “الله يربح” وهو يعرف أن الطريق طويل، وفي هذا التناقض الظاهر يكمن سرّ قوته وهو الجمع بين الهزا والجدية، بين العفوية والوعي العميق.
منذ أن أبحر مهاب ورفاقه نحو غزة ماانفكوا يخبروننا بأن القضايا الكبرى تركن إلى القلوب المسكونة بالمحبة والحرية تسكن الوجوه المبتسمة وأنّ المقاومة ليست دائما صراخا وغضبا، بل قد تكون أيضًا ابتسامة في وجه من يريد أن يطفئ النور.
صورته وهو يرفع علم فلسطين بيدين عاريتين، تظل محفورة في الذاكرة كبرهان على أنّ البطولة أحيانًا أبسط مما نتصور، وأنّها قد تتجسد في عبارة يرددها شاب فيصنع منها شعار حياة.
هو، اليوم، يذكّرنا بأنّ الحرية ليست كلمة تُرفع في المظاهرات فقط، بل هي نمط عيش، فأن تكون حرًا يعني أن تبتسم رغم القسوة، أن تحافظ على إنسانيتك رغم القمع، وأن تظل وفيًا لروحك رغم محاولات كسرها.
ونحن حينما نبحث عن مهاب، نجده في تلك العبارة التي كان يرددها ببساطة: “الله يربح”، عبارة تختصر الحكاية فالربح ليس مالًا ولا سلطة، بل انسجام مع الذات، ووفاء للقضية، وثبات على المبدأ.
لقد ربح مهاب بالفعل !