جدة/ في افتتاح الدورة الخامسة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي، بدت جدة التاريخية ميناء تلتحم فيه الأصوات الإفريقية والآسوية والأوروبية ومرفأ يحتضن الحكايات التي تبحث عن شاشة تشبهها.
من السجاد الأحمر إلى مسرح حفل الافتتاح تحول ميدان الثقافة إلى جسر بين القارات تتقاطع فيه أصوات صناع الأفلام، بهواجسهم وأحلامهم وتمثلاتهم ورؤاهم الخاصة.
وفي كل التفاصيل تجسد شعار الدورة “في حب السينما” حيث الاحتفاء العميق بالفن السابع وبصناعه من مختلف أنحاء العالم، وسط هالة من الشغف والصدق وعلى الحرص على اقتناص الروايات المغرية بالإمعان.
وعلى خشبة الافتتاح، تحرر الخطاب من البروتوكولات واتخذت السينما وجوها حالمة يغشاها الأمل والصفاء والصدق وتناثرت اللغات المختلفة والثقافات المختلفة على الركح وتواترت حكايات ملهمة من السعودية وزيمبابوي والصين.
كصوت يشدو في ثنايا الذاكرة، ظهرت الكاتبة والمخرجة السعودية عهد كامل وقصّت رحلتها بين السعودية والولايات المتحدة، وتحدثت عن الحلم الذي انتظر أن يعود إلى أرضه الأولى ليكتمل، لتستعيد مسار صوت نسوي علا في صناعة لا تغفر التردد من خلال سيرتها الشخصية.
في لهجتها، كان أثر جدة واضحا، المدينة التي تنحت مسارات أبنائها وهم بين دروبها أو خارجها، ووميض من القناعة وهي تصدح أن صوت المرأة السعودية يمكن أن يسافر بعيدا ومن ثم يرجع إلى المكان الذي ابتدأ منه
من زيمبابوي إلى البحر الأحمر يسرد المخرح نايشه نياموبايا من حكايات تعبر الجغرافيا، في حضور يجسد رغبة المهرجان في أن يكون منصّة لا تربط الجنوب بالجنوب فقط، بل تصنع خرائط جديدة للسينما.
عن الحكايات الشعبية والذاكرة والأرض وعن الدافع الذي يحركه دوما للحفاظ عليها ، تحدث عن أحلامه التي لم تكن تتجاوز غرفته لكنها صارت حقيقة حينما وجدت أفكاره طريقها إلى الشاشة عبر معامل البحر الأحمر.
ومن إفريقيا إلى آسيا تتقاطع الحكايا ويتلاقي الجميع عند السرد والصورة ليحكوا قصصا تتشابه في صدقها ورهافتها، ويتسرب صوت المخرجة الصينية فيفيان باوي محمّلا بسحر الشرق البعيد القريب في التفاصيل المستترة.
عن الصراعات المتشابهة، وعن مسارات التلاقي التي تخلقها السينما تحدثت المخرجة عن قوة الفن السابع وقدرته على فك القيود وكسر الحدود.
وعلى اختلاف لغاتها وأشكالها وأساليبها، تأتي السينما لتنتشل الإنسان من الصمت وتخرجه من دائرة الهامش نحو الأرحب وهو ما أكده صناع السينما الثلاثة وهم القادمون من ثقافات مختلفة.
ومن الصين اشرأبت الأعناق إلى الجزائر التي أهدت المشهد السينمائي المخرج والمنتج رشيد بوشارب الذي توشخ صوته ببعض السجن وهو يتحدث عن زمن كانت فيه فيه صناعة الفيلم العربي محدودة المنصات، قاحلة المعابر.
“في بداياتي كانت الفرص قليلة، اليوم نحن نروي قصصنا ونستقبل الآخرين”، كلمات تجاوزت رأيه الخاص لتختزل الحركات السينمائية في المنطقة العربية.
ولحظة تكريمه، بدا بوشارب كأنه يعيد ترتيب الذاكرة الجماعية لصناع السينما العرب، يذكّرهم بأنّ السبيل لم تكن سهلة، وأنّ الجلوس بمحاذاة أسماء عالمية مثل كريستين دنست وكوين لطيفة ليس مجاملة بل حصيلة انتقالات بنيوية وفنية.
وبهدوء يماثل هدوء البحر حين يسكن، جاءت كلمة جولييت بينوش، الممثلة الفرنسية الحائزة على الأوسكار، كمساحة للتأمل كثفتها عبراتها التي انهمرت تأثرت بلحظة تكريمها ولم تكبتها.
عن أدوارها التي تهتم بما وراء الظاهر تحدثت بينوش التي اعتبرت التمثيل فن خفر في الذات، وهو يفتح القلب على من حوله ويسمو بالروح، في إحالة إلى أن الممثل جزء من من قصة كونية تتجاوز شاشة عرض الفيلم.
وأما عن لحظة تكريم الممثل الأنجليزي مايكل كين فقد تمردت على مفهوم الزمان والمكان وبعثرت ما علق في الذاكرة من صور حينما ظهر على المسرح بكرسي متحرك.
الفن يتحدى السن، كانت هذه القراءة الأولى لظهوره على المسرح رفقة حفيديه وحفيدته فيما تجلس ابنتيه مع الحضور، ويتكلم هو ينبرة تكاد تغالب التأثر عن الجوائز والأسفار، فيما أشار بكلمات خاطفة إلى أنه يزور السعودية للمرة الأولى.
وحب السينما هو القوة الدافعة وراء المهرجان منذ انطلاق دورته الأولى، وفق ما قالته رئيسة مجلس أمناء مؤسسة البحر الأحمر السينمائي جمانا الراشد التي أكدت الدورة الخامسة تمثل مرحلة جديدة من ترسيخ المهرجان كمنصة عالمية لصنّاع الأفلام والمواهب الصاعدة.
كما أضافت أن المؤسسة “بنت ما كان كثيرون يظنّونه مستحيلاً”، إذ تحول “البحر الأحمر إلى أكبر من مجرد مؤسسة، وأعمق من مجرد مهرجان، بل منظومة تمكّن المبدعين عبر القارات الثلاث من القيادة والابتكار”.
وفي اتساق مع فلسفة حفلة الافتتاح الخالية من البهرج المسقط ومن الكلمات الخشبية، قدم المدير التنفيذي، بأسلوب سلسل، فيلم الافتتاح “العملاق” الذي قال إنه يجمع بين الشرق والغرب، ويروي قصة بطل العالم في الملاكمة نسيم حامد، مستعرضًا رحلته الملهمة من شوارع المملكة المتحدة إلى الساحة العالمية، مسلطًا الضوء على مواضيع الهوية والهجرة.
وأما كلمة وزير الثقافة، الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فجاءت لتربط الخيوط جميعها من التحولات إلى الطموح وورؤية المملكة التي تتعامل مع الثقافة كركيزة لمستقبلها.
إلى النقلة النوعية غير المسبوقة وإلى دور السينما، وجهود الوزارة التي تمتد لسبع سنوات في صون للتراث، بناء مشاهد ثقافية متنوعة، وتمكين الشباب تطرق الوزير في أجواء تحولت فيها مدينة جدة إلى فضاء جامع للحكايات العابرة للحدود
ومن عهد كامل إلى نياموبايا، وفيفيان باوي، وبوشارب وبينوش وكين، وكل نجوم السجاد الأحمر بأجيالهم وجنسياتهم المختلفة، الافتتاح أرشيفا حياً يتقاطع فيه الشخصي مع العالمي، والعودة مع الرحيل، والذاكرة مع المستقبل.