“نحبو نعيشو .. نحبو نتنفسو هواء نظيف.. ما نحبوش نموتو” صرخة للمرأة من قابس تجمع فيها القهر والسخط والمرارة فدوّت أمام المجمع الكيميائي حيث تعالت الأصوات منددة بالموت الممنهج في الجهة جراء التلوث.
أمام المجمع الكيميائي حضر وجه قابس التي تئن تحت وطأة الغازات الثقيلة تستيقظ على خيوط الدخان المتسلل إلى صدور الأطفال، وإلى أحلام الأمهات، إلى ذاكرة المكان التي يلفها ظل أسود من فرط التلوث.
في مواجهة جدار من الصمت المدقع وقف مدافعون عن حق قابس في بيئة سليمة ومنددين بتراجيديا التلوث التي ما انفكت تنخر الرئات وتقطف الأرواح وبعض ممن تخلخلت الانبعاثات السامة في حياتهم
لم يطالبوا بالمستحيل، بل بالهواء… فقط بالهواء النظيف، بأصوات امتزجت برائحة الفوسفوجيبس المتصاعدة من قلب المجمع، لتغدو الحناجر وجعا مفتوحا على كل الحالات المرضية التي عددها متساكنو قابس.
حوادث الاختناق المتكررة لم تكن سوى قطرات تزيد من فيضان الكأس لما خلفته الانبعاثات من أضرار سرطان وضيق تنفس وارتخاء في العضلات وآلام في القلب ولما عرته من غياب لأبسط مقومات الرعاية الصحية.
على شفاههم علق الخوف واليقين بأنهم جميعًا مرشّحون لأم يكونوا ضحايا الغازات الكيميائية إذ تكن تلك الحادثة الأولى، لكنها بدت وكأنها الصرخة التي خرجت من رئة المدينة بأكملها، تلك الرئة التي تحوّلت منذ عقود إلى حقل تجارب لسياسات بيئية عرجاء.
المجمع الكيميائي، الذي كان وعدا بالتنمية، صار لعنة يتوارثها القوابسية جيلا وراء جيل ، من مداخنِه تنبعثُ السموم الصناعية وتتبخرُ معها أحلام الناس في حياة بلا أمراض في مساحة يقاس فيها العمر بالأزمات الصحية.
الأهالي الذين أنهكتهم الوعود الحكومية المتكرّرة، باتوا يدركون أن الصمت تواطؤ، وأن السكوت عما يحصل في قابس موت بطيء احتشدوا أمام البوابة الرئيسية للمجمع، رفعوا لافتاتٍ خطّوها بأيديهم المرتعشة من الغضب.
“طبق قرار تفكيك الوحدات الصناعية” ، “في قابس الألم الزفت تخلط بالدم”، “قابس قابس يا مظلومة من المجمع والحكومة”، بعض من الشعارات التي تختزل وجع قابس الممتد على سنين والمرتسم على الوجوه.
صرخات المحتجين على الوضع في قابس تحيل إلى أن تعهد السلطات بالإصلاحات البيئية لم يكن سوى غبار يذوي في الهواء ولا يترك وراءه إلا طبقة جديدة من الخيبة تترسخ ، فيما التلوث يواصل زحفه على البيوت.
أمام المجمع الكيميائي كانت الوجوه المتعبة تشبه بعضها كأن الألم وحّد الملامح، هناك من جاء بصوته المثقل ليصرخ في وجه الظلم، ومن جاءت تبكي وجع ابنتها التي اختنقت في الحادثة الأخيرة ، ومن جاءت لتصرخ بدل جارتها التي لم تعد تقوى على الكلام.
كل الشهادات موجعة ولكن شهادة إمرأة أنهكها السرطان فلم تقو على الاستمرار في الكلام وغصت بدموعها عمقت الحزن في الأرجاء وبدأ الجميع وكأنهم يشيّعون شيئا غير مرئي ولكنه يكثف الإحساس بالعجز.
وسط ألسنة السم الممتدة في قابس تتجلى مقاومة المتساكنين لتحاكي جذور النخيل التي ترفض الموت رغم الجفاف فهم عليك يرون في الرحيل ترفا ولا في الصمت خيارا.
إنهم يدركون أن معركتهم ليست بيئية فحسب، بل معركة من أجل الكرامة، من أجل الحقّ في العيش بلا سموم وبلا خوف، وأصواتهم المتصاعدة ليست صرخة في وجه المجمع الكيميائي فحسب بل ضد منظومةٍ كاملةٍ بخست الإنسان في قابس الحياة.