ثمّة أسماء تولد وتبقى محصورة في بطاقات الهوية وسجل الولادات والوفيات، وأخرى تتمرّد على ما سبق فتتحوّل إلى إلى رموز تتوزّع بين الفنون والأمكنة وهند رجب واحد من هذه الأسماء.
الطفلة الفلسطينية التي استشهدت في سيارة قصفها الاحتلال الصهيوني وترك على هيكلها 335 رصاصة، تجاوز اسمها حدود الفردي وصار نغمة في موسيقى أنور براهم، وملامح في سينما كوثر بن هنية، وراية ترفرف على سفينة من سفن أسطول الصمود العالمي، وهي تمخر البحر من تونس نحو غزة.
اسم واحد يجمع على أعتاب حروفه الفن موسيقى وسينما والفعل الإنساني ممثلا في أسطول الصمود الذي يركب البحر ويخرج كل من يتناهى إلى سمعه ونظره فيما تستمر التراجيديا في غزة التي ما انفكت تقاوم وحيدة.
ولأن الفنان أنور براهم، عازف العود الذي حوّل الصمت إلى مقام، لا يبحث عن الأسماء اعتباطا، بل عن حروفها التي تتماهى مع نبرات أوتاره، التقط صرخات هند رجب وسمى به مقطوعته وجعل منه مفتاحا للحن الوجع في ألبوم ” ما بعد السماء الأخيرة”.
والموسيقى هنا ليست مجرّد أصوات متجاورة، بل حوار بين الذكرى والحلم، فحين يعزف براهم، يتسلّل هذا الاسم بين أنامله مثل لحن خفيّ لا يخلو من أطياف حنان الشرق ولا انكسارات المتوسط، ويتسرب منه شجن لا يهدأ، شجن يعكس ذاكرة الشعوب الممزّقة بين أرض ووعد، بين منفى وعودة.
“هند رجب” في موسيقى براهم مقام يتخطى الواقع ويمزح التراث والحداثة، بين الجرح والشفاء وكأنّ الاسم نفسه صار آلة جديدة، لا تقلّ حضورا عن العود، يُعزف به ويُعزف عليه ما لا يقال عن الخيبات والعجز.
إذا كان براهم يعزف الاسم، فإنّ كوثر بن هنية تكتبه بلغة الصورة، فالمخرجة التي اعتادت أن تحوّل الواقع اليومي إلى دراما كونية، تجد في “هند رجب” شخصية جديرة بأن تتصدر شاشات العالم
هند الطفلة التي سارت دون دراية ضدّ التيار، حاملة حقيبة أحلامها في مدينة صاخبة بدوي القصف صارت محركا لكل الحكايات وهي التي صبغت المقاومة بمسحة طفولية بريئة
في ربط بين الفردي والجمعي، والحميمي والسياسي يتجلى اسم هند رجب مرآة لأسئلة جيل كامل: كيف نحيا في عالم هشّ؟ كيف نصنع معنى وسط آلة القتل الصهيونية؟ كيف نتمسّك بالحرية رغم الحصار؟
مع كل نغمة وكل صورة يتحول اسم هند رجب إلى رجفة تخترق القلب وتتجاوز حكايتها حدود الموسيقى والسينما حينما اسمًا لإحدى سفن أسطول الصمود العالمي، التي تبحر من تونس نحو غزة لكسر الحصار.
هنا يتجلّى الاسم في فعله الأقصى ؛ من مجرّد نغمة أو صورة إلى أثر يرافق فعلا إنسانيا نبيلا يستحضر كلّ معاني التضامن والحرية، فالسفينو التي تحمل اسمها قصيدة عائمة، ومقطع موسيقي يمتد بين البحر والسماء ، ومشهد سينمائي يكتبه الماء.
ما أعظم هند رجب التي آوت في اسمها ثلاث حيوات متوازية فكانت في الموسيقى مقاما وشجنا وفي السينما شخصية وحكاية وفي المبادرة الإنسانية أثرا وسفينة.
هذا الاسم صار نصّا مفتوحا على احتمالات شتّى، يعزفه أنور براهم فتذوب فيه المقامات وتصوّره كوثر بن هنية فتتجلّى فيه الحكايات، وتبحر به سفينة إلى غزة فتكتب به معنى التضامن.