في الفضاء الخارجي للمركز الثقافي الدولي المفتوح على كل الاتجاهات، تشكلت ملامح أولى لسلسة لقاءات من المنتظر أن تجمع دوريا بين ممثلين عن وزارة الشؤون الثقافية وعدد من الصحفيين والإعلاميين.
وهذه اللقاءات تهدف، وفق وزارة الشؤون الثقافية، إلى خلق قاعدة نقاش وتفاعل من أجل تشريك وسائل الإعلام في تطور العمل الثقافي عبر النقد والاقتراح.
وجمع اللقاء الأول كل من المديرة العامة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية هند المقراني ومديرة إدارة الموسيقى والرقص ليليا الورفلي ومدير عام المؤسسة التونسية لحقوق التأليف والحقوق المجاورة رمزي الڨرواشي ومدير عام المركز الثّقافي الدّولي بالحمامات نجيب الكسراوي، والمندوب الجهوي للشؤون الثقافية ببن عروس مهذب الڨرفي.
أكثر من ساعتين من النقاش والتفاعل الذي طال عدة جوانب من تنظيم المهرجانات وخاصة في علاقة بالعروض الأجنبية والعروض المدعمة وحقوق التأليف وتوجهات الوزارة في علاقة بالمهرجانات المتخصصة.
ولئن تمحور الحديث بشكل أساسي حول مهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات الدولي ومهرجان أوذنة الدولي بالأساس فإن النقاشات تجاوزت الحدود الجغرافية لهذه المهرجانات لتوغل في الجهات وتسائل خارطة المهرجانات.
المهرجانات المتواصلة منذ عقود والأخرى الغائبة لأسباب مختلفة والمستحدثة كانت على طاولة نقاش حاكى في بعض جوانبه المشرحة ولكنه ظل في جوانب كثيرة سطحيا يحتاج لقاءات أخرى للتعمق فيه.
“العصف الذهني” الذي تشكل في المركز الثقافي الدولي بالحمامات بين الفاعلين في المشهد من مسؤولين وصحفيين محمود في بعض جوانبه ولكنه غير مكتمل على اعتبار عدم حضور بعض الصحفيين الفاعلين في المشهد الثقافي وضيق المساحة المخصصة للنقاش.
فالمهرجانات ليست تلك الواجهة التي تتصدر للجمهور طيلة شهر أو أكثر بل هي مسار كامل يمتد من نهاية دورة إلى بداية أخرى وتشترك فيه عديد الجهات من أدوار مختلفة تصب جميعها في تهيئة كل السبل لنجاحها واستمراريتها.
ونظرا لتشعب هذا المسار وتشابكه لا بد من الإلمام بمختلف الجوانب حتى يتسنى للصحفيين، بما يشكلونه من قوة نقد واقتراح رغم محاولات الترذيل والتسطيح التي شهدتها السنوات الأخيرة وهي نتاج لتهاون من الكل دون استثناء وتطبيع مع الرداءة، التفاعل عن دراية.
وقبل الحديث عن استراتيجية “تفاعل” بين وزارة الشؤون الثقافية والصحفيين الفاعلين في الشأن الثقافي لا بد من تحديد مفهوم الصحافة الثقافية ومن هو الصحفي الثقافي من منطلق التنظيم لا من منطلق التعسف والإقصاء.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيق نهضة ثقافية أو فكرية دون التأسيس لجسم صحافة ثقافية لا يتداعى للسقوط ولا يهتز خارج موسم المهرجانات ولا يسبح مع التيارات المختلفة.
وبعيدا عن أقسام الثقافة في المؤسسات العمومية والمسارات التي سطرها صحفيون اقتلعوا عن جدارة صفة الصحفي الثقافي لما قدموه للمشهد الثقافي من مواد مختلفة وعميقة لا فرق فيها بين المركز والهامش، وبعض التجارب في الإعلام الخاص التي اقتلعت مكانا ومكانة في الفعل الثقافي بفضل إصرار الصحفيين على المضي فيها، يبقى المشهد مشتتا.
هذا الشتات في حاجة إلى إعادة ترتيب من قبل الصحفيين والصحفيات الذين وضعوا اللبنات الأولى للصحافة الثقافية وأثروا الذاكرة الصحفية بأعمال تقوم على التنويع وتوزع الاهتمام بين الجهات بالقسطاس في حدود الإمكانيات المتوفرة.
ومن الضروري أن تكون الهياكل المهنية في قلب التصور الذي يؤسس لمشهد ثقافي متحرك ومتطور قوامه التفاعل بين وزارة الشؤون الثقافية والصحافة الثقافية، وعلى النقابة الوطنية للصحفيين التونسيبن أن تكون في قلب المبادرة من أجل صحافة فاعلة.
وقد يستدعي الحديث عن تصور للنقابة في هذا الخصوص ورقات كثيرة ولكن لا بد من وعي جاد بأهمية تنظيم هذا المجال والعمل على تطوير مهارات المنتسبين إليه في مجالات شتى وخاصة النقد في الفنون المختلفة والملكية الفكرية وغيرها وذلك من خلال عقد شراكات مع وزارة الشؤون الثقافية بمختلف مؤسساتها والاستفادة من خبرات الرعيل الأول.
والحديث عن دورات تدريبية أو ماستر كلاس أو أيام فكرية أو لقاءات أو ندوات وغيرها من المسميات يأتي في باب الاستراتيجية التفاعلية للوزارة وهي لا تنفي وجود محاولات فردية للتطور والتعلم وتطوير المهارات وهو ما يتجلى في المواد التي يقدمها قيدومي الصحافة الثقافية.
ومن الضروري اليوم ان تعي نقابة الصحفيين بضرورة عقد جلسات في هذا الخصوص لتفادي الجدل الذي يرافق موسم المهرجانات بخصوص من الأحق بشارة الاعتماد والحال أن مستحقيها معروفون سلفا.
وقبل الاسترسال في الحديث عن دور النقابة في هذا الخصوص لا بد من الإشارة إلى أن شارة الاعتماد للتغطية ليست حقا مفروضا لكل الصحفيين وأنها تمنح أساسا لمن يواكب المهرجان ويقدم مادة إعلامية في مختلف المحامل.
أن تكون صحفيا محترفا سواء خريج صحافة أو أي مجال آخر لا يخول لك آليا الحصول على شارة اعتماد لولوج المهرجان وكل حديث عن العكس هو محض شعبوية وجب تخطيها من خلال إيجاد حلول أخرى تخول لصحفيي الأقسام الأخرى غير الثقافة الحضور دون الحصول على اعتماد هو بالأساس للتغطية الإعلامية.
من هذا المنطلق يمكن أن تقيم مختلف وسائل الإعلام شراكات مع المهرجانات المعنية من أجل الحصول على دعوات في حدود طاقة الاستيعاب أو اقتناء تذاكر بمعاليم رمزية لتجنب الاكتظاظ في المساحة المخصصة للصحفيين وتوفير الظروف الملائمة للعمل.
كما يمكن لنقابة الصحفيين أن تأتي بالمثل في علاقة بالصحفيين المستقلين ووكل منظوريها عموما ليتسنى لهم حضور حفلات المهرجان وذلك في إطار اتفاقيات مسبقة مع المهرجان في حدود طاقة استيعابه.
ومن المفترض أن يستثنى من طلبات الاعتماد الصحفيون في أقسام الثقافة المعروفون منذ سنوات طوال ومن المفترض أن تخصص لهم شارات نظرا لما راكموه من تجربة وخبرة في التغطيات ولما لحضورهم من أهمية بالغة.
ويبقى باب الاعتماد مفتوحا للصحفيين الشبان أو المنتسبين الجدد للثقافة او المكلفين من قبل مؤسساتهم بالتغطية أو الصحفيون المستقلون مع اعتماد معايير لمنح شارات التغطية وتحديد سقف لتغطية العروض والاستناد إلى ذلك في إعادة تجديد الاعتماد من عدمها،
ومنصة للاعتماد للمهرجانات الكبرى التي تحظى بإقبال واسع على عكس مهرجانات أخرى خاصة في الجهات الداخلية كفيلة بأن تحل هذا الإشكال وتضمن حدا أدنى من الاستمرارية والمرونة لتفادي الجدل المتجدد كل سنة.
وبعد إيجاد تصور لأزمة الاعتماد التي باتت مثيرة للإزعاج، تأتي مرحلة أخرى وهي مرحلة الدخول إلى المسرح الأثري لقرطاج حيث تظهر بعض الإشكاليات خاصة في العروض الكبرى على اعتبار أن الصحفيين يمرون من نفس الباب المخصص للشخصيات المهمة من مسؤولين وجمهور حامل لتذاكر كراسي.
ويحدث أن يحصل بعض التلاسن إن كانت الأسبقية للصحفيين وهو ما يحتم ضرورة التفكير في استغلال باب آخر (وهو متوفر) لنفاذ الصحفيين للمسرح دون استنفاذ طاقتهم في نقاشات جانبية مع مواطنين لهم كل الحق في التذمر.
وتأتي المعضلة الكبرى عند دخول المسرح في المكان المخصص للصحفيين إذ أن المكان لا يخول للصحفيين الإلمام بكل تفاصيل المسرح على اعتبار انه يقع على أقصى يسار مسرح دائري، وهو أمر لا بد من إعادة النظر فيه من قبل سلطة الإشراف.
ومع جلسات متتالية تجمع وزارة الشؤون الثقافية والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والصحفيين والصحفيات الفاعلين في المشهد يمكن التوصل إلى حلول تؤدي بالضرورة إلى تلافي الإشكاليات والتركيز على جوهر الفعل الثقافي.
ولا يمكن ملامسة العمق دون الاقتناع بأمر بديهي وهو أن الصحفي الثقافي هو صحفي متخصص في تغطية الشأن الثقافي بمختلف تجلياته من أدب وموسيقى ومسرح وسينما وفنون تشكيلية وسياسات ثقافية وغيرها.
كما أن هذا الصحفي الثقافي الذي اجتمعت كل الظروف على طمس دوره في المشهد يجمع في عمله بين البعد الإخباري الذي ينقل المستجدات والتظاهرات، والبعد التحليلي النقدي الذي يفكك الظواهر ويقيّم الأعمال ويسائل الخطاب الرسمي.
وهو ضرورة يتميز بثقافة عامة ومعرفة متخصصة، ويكتب بلغة قادرة على الموازنة بين الموضوعية والعمق، فهو ليس مجرد ناقل للخبر ولا بوقا دعائيا، بل شاهد وفاعل وناقد يضع الثقافة في سياقها الاجتماعي والسياسي ويتعاطى معها كقضية مجتمعية وجمالية، لا كحدث عابر أو ترفيهي ينتهي بانتهاء الموسم الصيفي.