ما حدث في صفاقس، في سوق السمك، خلال شهر رمضان، لم يكن مجرّد واقعة محلية عابرة خلال شهر رمضان إنما مشهدا مكثّفا يختزل تحوّلا عميقا في علاقة التونسي بالاستهلاك، وفي وعيه بدوره كقوّة ضغط قادرة على إعادة ترتيب موازين السوق.
مواطنون يختارون الامتناع، فيرتبك السوق، ويتحوّل التاجر من موقع المُتحكّم في السعر إلى موقع الساعي إلى “المصالحة”.
في مدينة عُرفت تاريخيا بحيويتها الاقتصادية وروحها التجارية، لم يكن قرار مقاطعة سوق السمك بباب الجبلي مجرّد ردّ فعل عاطفي على أسعار مشطّة.
لقد كانت تعبيرا عن تراكم غضب صامت من ارتفاع جنوني طال كلّ شيء تقريبا، وعن شعور عام بأن القدرة الشرائية تتآكل بلا هوادة، فيما تتكاثر حلقات الوساطة والمضاربة على حساب المستهلك.
رمضان، بما يحمله من رمزية اجتماعية ودينية، كان المسرح الأكثر حساسية لهذا الاحتقان فالشهر الذي يفترض أن يكون شهر تضامن وتيسير، يتحوّل لدى كثيرين إلى موسم قلق حسابي يومي.
اللافت في واقعة صفاقس أنّها لم تأت إثر بيانات حزبية أو دعوات مؤطّرة من منظمات كبرى، بل انطلقت همسا بين الناس، ثم تحوّلت إلى قرار جمعي : لا شراء.
في اقتصاد السوق، قد يبدو الامتناع فعلاً سلبياً، لكنه في هذه الحالة كان أقصى درجات الفعل الإيجابي لأنه عرض هوان العرض وكشف هشاشته.
مشهد الركود التام في سوق السمك بباب الجبلي كان صادماً، طاولات ممتلئة، حركة شبه منعدمة، نظرات مترقبة، وتجار ينتظرون زبوناً لا يأتي.
في مدن أخرى، قد يُقابل هذا الجمود بتعنّت أو بمحاولات التفاف. لكن ما حدث في صفاقس أخذ منحى مختلفا خاصة مع انتشار فيديو لتجار ينشدون “المصالحة” ويعترفون ضمنياً بأن الأسعار بلغت مستوى غير مقبول، ويتعهدون بتخفيضات ملموسة.
قد يقرأ البعض المشهدية برومانسية تحيل إلى أن المواطنين انتصروا وقد يقرأه آخرون بريبة تشير إلى أنها مجرّد مناورة ظرفية لكسر المقاطعة.
بين القراءتين مساحة أعمق للتفكير لأن الأهم من التخفيضات الظرفية هو ما كشفته الواقعة من تحوّل في الوعي إذ لم يعد المواطن مستهلكا سلبيا بكتفي بالشكوى في المقاهي وعلى صفحات التواصل، بل بات قادرا على تحويل غضبه إلى سلوك اقتصادي منظم.
في هذا السياق، تبدو “المصالحة” كلمة محمّلة بدلالات سياسية واجتماعية تتجاوز السوق، فالعلاقة بين التاجر والحريف ليست علاقة بيع وشراء فحسب، بل علاقة ثقة حين تتصدّع بسبب شعور بالاستغلال تصعب استعادتها.
الفيديو الذي ظهر فيه بعض التجار، وعلى رأسهم رئيس الغرفة الجهوية لتجار الاسمكا بالتفصيل في صفاقس، وهم يطلبون إعادة فتح الصفحة، يكشف إدراكاً متأخراً لهذه الحقيقة.
لا يمكن للسوق أن يعيش طويلا في قطيعة مع محيطه الاجتماعي، لكن من المسؤول فعلاً عن الغلاء؟ هل هم التجار الصغار في الواجهة، أم شبكات أوسع من الوسطاء والمضاربين والمحتكرين الذين يختبئون خلفهم؟
وقوة المقاطعة، هنا، تكمن في هدومها وتكثفها ونأيها عن كل تمظهرات الغضب، فالسوق ل يخشى الغضب العابر بقدر ما يخشى مت التحول في السلوك.
المؤكد أننا أمام درس بليغ في المواطنة الاقتصادية ولكن يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟ هل ستتحول هذه التجربة إلى نموذج يُحتذى في قطاعات أخرى إذا استمر الغلاء؟ أم ستظلّ حادثة رمضانية عابرة تُطوى مع انقضاء الشهر؟
نجاح أي مقاطعة لا يُقاس فقط بلحظة تراجع الأسعار، بل بقدرتها على فرض آليات دائمة للشفافية والمراقبة.
وإذا التزم التجار فعلاً بما تعهدوا به، وجرى ضبط هوامش الربح ومقاومة المضاربة بجدية، فقد تكون هذه الواقعة بداية مسار تصحيحي.
أما إذا عادت الأسعار إلى الارتفاع بمجرد انكسار الزخم، فستتحول “المصالحة” إلى مجرّد استراحة تكتيكية.
في كل الأحوال، ما حدث في صفاقس يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة طواها النسيان وهي أن السوق ليس كياناً مستقلاً عن المجتمع، بل هو انعكاس لتوازناته وحين يختلّ هذا التوازن، يملك الناس، إن أرادوا، أن يعيدوا ضبطه.
ولعل صورة التجار وهم يناشدون الناس في فيديو قصير أبلغ من أي تحليل اقتصادي مطوّل، لأنها عرّت هشاشة معادلة طالما بدت ثابتة: البائع يملي، والمشتري يرضخ.
ولكن الثابت أن الطاولة اهتزت حينما انسحب المشتري وقال “لا” بطريقة حضارية، فاكتشف أن لصوته وزنا.