في “يوم شبه عادي” لا يقترح المخرج سليم بلهيبة فقدان الذاكرة من زاوية حادثة طبية قابلة للتشخيص والعلاج، بل من منطلق شرخ أنطولوجي في معنى الكينونة نفسها وحالة وجودية هشّة وتشقق صامت في معنى الاستمرار نفسه.
الفيلم لا يسائل الأعراض، بل الوجود حين يتعطل مبدأ الاستمرارية وحين لا يعود الإنسان قادرا على سرد ذاته وفق منهج متصل ويركن إلى تجاور هش للحظات منفصلة ويهمس بكيفية مواصلة العيش حين يتآكل الإحساس بفعل الزمن، وحين تصبح الذاكرة عبئا بعد ان كانت ملاذا.
وهنا تدخل السينما منطقة فلسفية دقيقة، حيث يتخطى الزمن كونه خلفية للأحداث ليصبح مادتها الأكثر قسوة تتقاطع فيه السينما مع الفلسفة اليومية، وتتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح قراءة للعالم ويعلن الفيلم منذ لقطاته الأولى انحيازه إلى الإيقاع البطيء، اختيارا جماليا وأخلاقيا.
فالكاميرا لا تستعجل الشخصيات، ولا تُجبر الأحداث على الانفجار ليتحرك كل شيء كما لو أنه يرزح تحت ثقل غير مرئي، الصمت الخطوات، والنظرات، مغرقة في بطء يحاكي تشقق الوعي ذاته، ويضع المتفرج في وضعية انتظار شبيه بانتظار الشخصيات لما لا يأتي: يقين، تشخيص، أو حتى ذكريات متماسكة.
والشخصية المركزية في الفيلم كائن مأزوم ينسحب تدريجيًا من العالم الخارجي، دون ضجيج، فيما تتخلى الذاكرة عن وظيفتها الذهنية لتغدو شرطا أخلاقيا للوحود فأن تتذكر يعني أن تعترف، وان تنتمي، وأن تمنح الآخر مكانه داخل سرديتك الخاصة.
وحين تتآكل الذاكرة، لا ينهار الماضي فقط، بل يتفكك الحاضر نفسه وتهتز القدرة على ربط الأشياء ببعضها : الأشخاص بالأماكن، والكلمات بالمشاعر، واليوم بالأمس ويصبح العيش سلسلة من “الآن” المنفصلة، وكأن الزمن انكسر إلى شظايا لا تنتظم في سردية واحدة.
وفي المقابل تجسّد الزوجة بعدا آخر للفقدان فهي لا تفقد ذاكرتها، لكنها تفقد شريكها وهو ما زال حاضرا جسديا وهذا الشكل من الغياب الجزئي، أو الغياب داخل الحضور هو أحد أكثر عناصر الفيلم إيلاما.
بوعي جمالي واضح، يشتغل الفيلم على تفكيك فكرة الزمن الخطي فالأيام لا تتقدم، بل تتكرر؛ الأحداث لا تتراكم، بل تعيد إنتاج هشاشتها في تكرار يسلب الطمأنينة ويستعير من الفلسفة الوجودية قلقها الأساسي: ماذا يبقى من الذات حين تنسلخ عن ذاكرتها، أي حينما يُنتزع منها تاريخها الشخصي؟
وهنا يتبدّى الصمت في “يوم شبه عادي” خيارا أسلوبيا وموقفا معرفيا إذ تفقد سلطتها التفسيرية على تخوم ذاكرة مفقودة وتعجز الكلمات عن القبض على الأحداث لأنها تتجاوز المنطق السردي المعتاد.
وفي الأثناء تتراكم مساحات الفراغ وتدفع المتفرج لاختبار القلق ذاته، قلق عدم الفهم، وعدم القدرة على الإمساك بمعنى مكتمل ليعترف الصمت بعجز اللغة أمام هشاشة التجربة الإنسانية.
ووسط دوامة العجز تقف الزوجة/المرافقة لتشكل ذاكرة بديلة أو ضميرا زمنيا يضع الفيلم في سياقه الفعلي فهي تتذكر نيابة عن زوجها ولكنها تدفع ثمن ذلك عبئا أخلاقيا.
ووسط الأحداث المتشظية تبدو الفضاءات اليومية في الفيلم (البيت، الشارع، قاعة الانتظار) أمكنة مؤقتة، وعابرة، تشبه حالة الشخصيات نفسها ليفقد المكان وظيفته في احتواء الذاكرة، ويتحول إلى مسرح لاغتراب صامت.
وأما الصورة، فتتجنب الاستعراض، وتذهب إلى بساطة محسوبة، الكادرات غالبًا ثابتة أو بحركة خفيفة، وكأن الكاميرا تخشى أن تُربك عالما زعزعته الهشاشة من قبل فما عاد المكان يحضن الشخصيات، بل صار يراقبها، يتركها وحيدة داخل اتساعه أو ضيقه.
كل عناصر الفيلم مجتمعة التقت عند القطع مع الخطاب العاطفي المباشر وتركت للتفاصيل مهمة البوح وسط رفض واضح لأي خلاص معلب، لا شفاء ولا ذروة درامية تعيد التوازن ولا نهاية تُعيد ترتيب الفوضى.
من زاوية فلسفية أعمق، يمكن قراءة “يوم شبه عادي” بوصفه تأملًا في مفهوم الهوية من منطلق كونها بناء هشّ يتطلب التذكر المستمر، وذلك عبر تسجيل لحظة إنسانية معلقة على حافة النسيان.
ومع تآكل الذاكرة، تتكشف حقيقة مقلقة: الذات ليست معطًى نهائيًا، بل عملية مستمرة من الاستحضار والربط. حين تتوقف ، لا تختفي الذات دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، كما يتآكل المعنى في عالم يفقد نقاط ارتكازه.
في منطقة رمادية، يلقي بنا العمل، حيث العيش ممكن، لكن اليقين مستحيل في اختيار يعيد الاعتبار لفكرة العيش بوصفه تجربة ناقصة بطبيعتها، لا مشروعا قابلا للاكتمال وأن الإنسان ليس سيد ذاكرته بقدر ما هو رهين لهشاشتها.
“يوم شبه عادي” لا يوغل في النسيان بقدر ما يصور الخسارات غير المرئية التي تعرفها الذاكرة حينما تتلاشى والصمت الكثيف الذي يتمدد داخل العلاقات والمعنى والذات. إنه عمل يضعنا أمام سؤال فلسفي موجع وبسيط في آن : إذا كانت الذاكرة هي ما يجعلنا بشرًا، فماذا يتبقى منا حين تبدأ بالانسحاب، يومًا بعد يوم، في صمت؟