جدّة/ في “يونان”، يواصل المخرج أمير فخر الدين صياغة لغته السينمائية المتفرّدة التي تُراهن على شاعرية الصورة بقدر ما تراهن على ٠هشاشة الإنسان وهو يتخبّط في عزلته ٠الداخلية وتقود المتفرّج إلى أعماق لم يكن ينوي ارتيادها.
والفيلم يقوم على حالات وجدانية يصوغها المخرج بلغة بصرية تُضاهي في كثافتها وقعَ البحر الذي يملأ الشاشة، ويصبح امتداداً مباشراً للذات المأزومة التي يحملها “منير” وهو يتقدّم نحو عزلة اختارها قسراً لا رغبةً.
الكاتب الشرق أوسطي “منير” يعيش في هامبورغ، ويقرّر أن ينهي حياته في فندق معزول على جزيرة ألمانية بعد أن تتداعى ذاكرة أمّه، لكن الفيلم يتجاوز حكاية رجل يريد الموت إلى تجربة بصرية نفسية تنحت الاغتراب الإنساني في وجه الطبيعة، وتستدعي طبقات من الأسئلة عن الهوية والانتماء والخسارة.
وفخر الدين لا يكتفي بتشييد عالم درامي، بل يبني جغرافيا كاملة للروح، حيث الطبيعة نصّ موازٍ يترجِم الانكسارات النفسية ويضاعف من حضور الأسئلة الوجودية ويحاكي الغيوم الثقيلة، والعاصفة الهادرة والرياح التي تضرب الوجوه، حالات شعورية تصاحب رحلة بطلٍ يقع في فجوة بين ما كانه وما لم يعد قادرًا على أن يكونه.
عبر كاميرا متأنية حد الاستفزاز، يلتقط المخرج العلاقة العضوية بين العالَم الخارجي والعالَم النفسي التي تجعل المتفرّج يشعر أن الطبيعة نفسها تُنذر منير بضرورة إعادة النظر في رغبته بالموت، فيما يسحب البحر نحو عمقه الهوية المبعثرة، والانتماءٌ المكسور، والذاكرة التي تقاوم التلاشي.
هذا الانزلاق التدريجي نحو الأعماق يعزّزه اشتغال صوتي محكم، تقوده موسيقى سعاد بوشناق التي تتحرّك كأنها حزن يسري في العظام أو نبضٌ متردّد بين الحياة والعدم، وفق إيقاع لا يستعجل التأثير ولا يدفع المتلقي نحو شعور محدّد، بل يترك مساحات واسعة للصمت كي يمارس سلطته.
الصمت في “يونان” شكل من أشكال التعبير، يتجاور مع الموسيقى في علاقة تُحاكي علاقة منير بذاته، اقترابٌ وتراجع، انقباضٌ وانفتاح، رغبة في الإفصاح وخوف من المواجهة.
ولا يمكن الحديث عن “يونان” دون الوقوف عند الأداء غير اللفظي الذي يقدّمه جورج خبّاز الذي يبتعد عن كثافة المنطوق ويذهب إلى منطقة صعبة، تتطلّب منه أن يطلق العنان لتعبيراته الجسدية والحسية والنفسية.
“منير” الذي يقدمه خباز، رجل كُسرت نبرة صوته قبل أن تُكسر روحه وهو ما يفسر تراجع الحوار لصالح تلك الحركة الصغيرة التي تصنع المعنى من رفّة عين متردّدة، إلى انحناءة كتف منهكة، وخطوة مبعثرة كأنها تخشى أن تستقر في مكان لا يشبهها.
هذا الاشتغال على التفاصيل الدقيقة يعطي الشخصية بعداً مأساوياً لا يحتاج إلى خطاب مباشر كي يتكشّف، فينا تتحلى قدرة جورج خباز على نقل الصراع الداخلي دون الاستناد إلى المبالغة في اللغة.
في مقابل هذا الأداء المنكفئ، تدخل هانا شيغولا إلى الفيلم بثقل تجربتها الأسطورية في السينما الأوروبية، لكن دون أن تجرّ العمل نحو استعراضٍ أو حضور طاغٍ وتظهر في شخصية “فاليسكا” بملامح امرأة لا تريد أن تنقذ أحداً لكنها تفعل ذلك دون قصد.
فاليسكا تنظر إلى حياة الآخرين بصفاء من تجاوز كل التجارب، وجودها في الفيلم يشبه الضوء الذي يتسرّب من شقّ صغير في جدارٍ معتم، حضور بسيط، لكنه كفيل بقلب المعادلة الداخلية لمنير، وتعديل زاوية النظر صوب الجرح.
هي لا تغيّر مصيره، لكنّها تغيّر قراءته للمصير تمامًا كما تروي الأسطورة عن النبي يونان الذي خرج من بطن الحوت ببصيرة جديدة وتأتي نضال الأشقر، بحضور خاطف لكنه عميق، لتقدّم أمًّا تتآكل ذاكرتها بينما تبقى نبرة الحنان فيها كوحمة ثابتة لا تزول، مشهد واحد لكنه مكثّف، يمنح الفيلم طبقة إضافية من المأساة المرتبطة بفقدان الجذور.
كل الشخصيات التي يحملها الممثلون علي سليمان وسبيل كيكيلي وغيرهم، تشكل زوايا نظر أخرى في عالم يتداعى بينما يتكثف الحس البصري للمخرج أمير فخر الدين في
عبر الكادر الواسع الذي يجعل الإنسان صغيرًا أمام البحر، اللقطة القريبة التي تكشف الرجفة، الزوايا المنخفضة التي تجعل الغيوم أكثر قربًا.
وبين كل التفاصيل يعيش منير غربة مدقعة، غريبٌ عن المدينة التي يعيش فيها، وغريبٌ عن ذاكرته التي تتلاشى مع تلاشي ذاكرة أمه، وغريبٌ عن المستقبل الذي لا يعده بشيء، هذا الاغتراب يترجمه المكان نفسه، عبر الفندق المنزوي الذي يختاره ليكون مسرحا لموته.
وأما الإيقاع البطيء الذي يعتمده المخرج ليس مجرّد خيار جمالي، بل ضرورة سردية فالبطء يخلق حالة من التماس المباشر بين المتلقي والفراغ ويسمح للصورة أن تتعتق، وللمعنى أن يترسّخ، وللرحلة أن تكتمل داخل الذات.
البطء محسوب، ومقصود، ويرفض أن يقدّم إجابات أو يسهّل القراءة. هذا الرفض نفسه يمنح الفيلم قوته، لأنه يترك المشاهد أمام واجب «التأمل» لا أمام متعة الاستهلاك السريع.
و”يونان” عمل ينتمي إلى مدرسة سينمائية تنتصر للصورة وتسخر الصمت لسبر الدواخل ، وتستدعي أداءات تمثيلية قادرة على حمل الوجع دون أن ثرثرة، وهو يحمل الهوية العربية والهوى العالمي في آن واحد،
والفيلم يرتفع من حكاية فردية إلى تأمل فلسفي تتزاحم فيه الأسئلة عن مصير الإنسان حينما تسلب منه ذاكرته وعما يبقى حينما يصير عابرا في عالم لا ينتمي إليه وعن الجدوى من إعادة صياغة الحياة في مكان آخر والجراح مفتوحة.