“أي معنى للفن والالتزام زمن العبث؟”تساؤل يغمر ذهنك وأنت تشاهد مسرحية “لعفرتة ” للمخرج يوسف مارس، ضمن تظاهرة الخروج إلى المسرح، بمسرح الجهات بمدينة الثقافة.
وفيما يلاعب النص الذي أوجده كل من نور الدين الهمامي ويوسف مارس الذاكرة، تتجلى شذرات عن الفن الملتزم في تونس وتغدو الخشبة فضاء مفتوحا على الحنين والأسى.
وعلى تخوم العتمة التي لا تتلاشى إلا مرات معدودات يطل الخواء برأسه ويتمدد بينما تذوي كل الحركات والكلمات التي كانت أثقل من الرصاص في زمن ولى.
ومع تهافت أسماء مجموعات موسيقية على غرار الحمائم البيض والبحث الملتزم وغيرها تتمنى لو يرجع الزمن إلى الوراء قليلا وتتوقف عقارب الساعة عن الدوران وتستعير أوتار العود خفقانها.
وإذ تتعثر حبكة المسرحية، أحيانا، ويتفاوت نسق الأداء بين الممثلين إلا أن روح النص تضع المشاهد في مواجهة مع ذاكرته وتدفعه إلى البحث عما بقي من حلم الثورة وعما يبقى من الفن حينما يصادرة القمع أو التهميش.
في مواضع كثيرة تبدو الحكاية عصية على الهضم والخطاب غير متصالح مع السياقات السائدة، فالمسرحة تنبش في الماضي وتعري الحاضر في محاولة لتفكيك علل اليسار التونسي.
وهذه المحاولة تراوح بين السطحية والعمق وبين المباشرتية الفجة أحيانا والإيحاءات والتلميحات التي تلاعب الذاكرة وتسطّر سيروة لحكاية مفعمة بالإسقاطات زمنا وممارسات.
وفي بعض المشاهد التحام بالعنوان المحمل بدلالات الانفلات والعناد والتصادم، إذ توشح الركح بنفحات الثورة التي أُغتيلت على دفعات وسرى فيه كل البرود الذي اجتاح الآمال التي ارتبطت بما سيعقبها.
وإن يشي العنوان بحالة مواجهة وصدام وغليان وكر وفر وغليان ومقاومة نظرا لما تحيل إليع مفردة “عفرتة” في العامية من شراسة وتمرد وتعنت إلا أن تجليات ذلك غابت عن بعض المشاهد التي تتطلب دفقا أكبر من الانفعالات.
أما النص فقدر تحرر من البنية الدرامية ليحاكي قصائد الحب والالتزام المبعثرة، ويتقاطع مع شهادات من الذاكرة، فهو يستعيد زمنًا كان فيه الغناء الملتزم تهمة، والشعر ذنبا.
والنص مع كل ما يحتمله من مآخذ يُحسب له أنه يستحضر فنانين عاشوا بين قيود الرقابة ثم وجدوا أنفسهم لاحقًا في مواجهة أشدّ قسوة من جلّادي الأنظمة، مواجهة مع اللامبالاة.
الانتقال من القمع إلى النسيان ليس تفصيلا اعتباطيا، بل هو في قلب النص يذكّرنا بأن أشكال الإقصاء تغيّرت: بالأمس كانت المنع والمصادرة، واليوم صارت اللامبالاة والسطحية التي تبتلع كل ما له عمق.
وعلى إيقاع سينوغرافيا مقتصدة في الديكور والإضاءة والحركة والأزياء والماكياج تترك المسرحية مساحة للذاكرة لتتكلم بينما تتحرك الأجساد فوق الخشبة بإيقاعات متقطعة، تتكرر أحيانًا حدّ الرتابة، لتجعل المشاهد يعيش ثقل الصمت الذي يواجهه الفنان زمن الرقابة وزمن العبث.
وفي اتساق مع عنوان العرض “لعفرتة” يقوم الأداء على الجماعية بين الممثلين نور الدين الهمامي ولطفي ناجح ومنى الشنوفي ووجدي الحداد وياسمين الشكيلي مع تفاوت في التقمص ونسق الانسجام.
وأما نورالدين الهمامي فقد حمل صدق التجربة ومرارتها فيما صور لطفي ناج الانتهازية والتسلق وجسدت منى الشنوفي الوجه النسائي للذاكرة المجروحة ورسم وجدي الحداد الاضطراب والاستيلاب فيما حملت ياسمين الشكيلي الحكاية إلى ركن الاحتواء.