“نعرفو قيمة مهرجان الحمامات ونعرفو الّي لازمنا نعطو أكثر ما عنا” بهذه الكلمات اختزل “سي لمهف” (مهدي) تفاصيل عرض مهرجان الحمامات الدولي في دورته الثامنة والخمسين.
تأتي هذه الكلمات في سياق إجابة “سي المهف” على سؤال رياليتي أون لاين بخصوص تحضيرات المجموعة للعرض الثاني لها في مسرح الحمامات بعد 12 سنة، إذ أكد أنهم استغرقوا وقتهم في التحضير ليقدموا عرضا يليق بالمهرجان وجمهوره.
وهذا العرض يليق أيضا بمسيرة “سي لمهف” التي تمتد منذ سنة 2010 والتي بارحت مكانها ليتطور المشروع فترة بعد فترة ويستمر في استقطاب الجمهور جيلا وراء جيل عبر أسلوب يخاطب العقل والعاطفة في ذات الآن.
وأغاني “سي لمهف” وجدت طريقها إلى ذاكرة الجمهور ووجدانه لقدرتها على ترجمة الهواجس والأحلام والأمال والحديث عوضا عن أولائك الذي أرهقهم البحث عن كلمات مناسبة لوصف وضعيات أو حالات بعينها.
تأثيرات التكنو والإيقاعات الشعبية المعدلة والبوب العاطفي والشعبي الجزائري والالكترو وغيرها من التلوينات الموسيقية تظهر في موسيقي “سي لمهف” وتشد الجمهور إليها فيتماهى ويستسلم للرقص.
على الركح الذي أبدت له المجموعة الموسيقية احتراما لافتا يظهر من خلال الاستعداد الجيد للعرض وانتقاء الأغاني التي تخضع لتسلسل زمني يمتد بين الطفولة والشباب ويحمل الكل إلى أحضان الوطن، تقاربت الأنماط الموسيقية حد التماهي.
مزج موسيقي يميز المجموعة دون سواها، كلمات بسيطة منفتحة على كل التأويلات والاحتمالات، طاقة لامتناهية تمتد من الركح إلى المدارج حتى صار الجمهور المنغمس في الأغاني جزءا من العرض.
“سي لمهف” من بين العروض التي تحمل الكثير من روح مهرجان الحمامات الدولي وفلسفته القائمة على فسح المجال أمام المشاريع والتجارب الموسيقية الملهمة والمبدعة والمبتكرة أفكارا و كلمات وألحانا.
روح تونسية خالصة تبدت على الركح الذي صار فضاء تلتقي فيه عوالم موسيقية مختلفة عند أسلوب “سي المهف” الذي يقوم على التجريب والتنويع وعلى الشغف بالأساس.
فكل تلك الطاقة المتبدية في مسرح الحمامات وقدرتها على الانتشار ليست وليدة بحث موسيقي وتمكن من المزج بين الأنماط المختلفة فحسب بل هي أيضا نتاج لتناغم بين أعضاء المجموعة الذين يلتقون عند حب الموسيقى.
تفاصيل كثيرة خلال العرض تعلق بالذاكرة على غرار الأطفال الذين يحملون دباديب تحاكي الدمية الدبدوب التي كانت واجهة لمشروع “سي لمهف” والتي تربعت على كرسي وسط الركح لتظل حافظة للبدايات.
الأطفال والشباب الذين توافدوا على العرض بعضهم يحمل لافتات كُتبت عليها كلمات أغاني المشروع وبعضهم يرتدي قمصانا خطُ عليها اسمه وبعضهم الآخر يحمل دباديب التحق عدد منها بالدبدوب المتوهج على الركح.
عصف موسيقي اجتاح مسرح الحمامات على إيقاع موسيقى أوجدها عازفون تماهوا مع آلاتهم الموسيقية وبذلوا الكثير ليلبسوا الموسيقى روحا ثائرة تقتفي أثر الأمل ولا تسقط أحلامها.
“سي لمهف” الذي خبر ركح مهرجان الحمامات في بداياته يعود إليه أكثر نضجا وتطورا وانفتاحا ويظهر ذلك من خلال استضافة كورال نوا بالحمامات، أصوات نسائية أضفت مسحة مختلفة على العرض.
منذ سنة 2010 يتقاسم “مادي” الشغف والموسيقى مع رفيق دربه “موندي”، الأول مغنيا وملحنا ومؤلفا والثاني عازف غيتار ومخرجا، وهاهما اليوم معا على ركح مسرح الحمامات الدولي يخطان فصلا آخر من نجاح المشروع مع كل من عازف الغيتار أيمن “سكولا” وعازف الدرامز أيمن “كومباص”.
العرض الذي أرقص الجمهور على إيقاعات البوب والالكترو تظافرت فيه الموسيقى والضوء الذي يحاكي انسيابها وكلمات الأغاني المستوحاة من الواقع وطاقة المجموعة على الركح.
رحلة في الزمن شكلها “سي لمهف” وهو يختبر ذاكرة الجمهور من خلال أداء أغان قديمة تعود إلى سنوات ومن ثم أغان جديدة، ومع كل أغنية يتماهى الجمهور مع الموسيقى ويردد الكلمات.
“يا لايلي”، “أياي”، “باهي”، “كان انت”، “بلار”، “عديهالي”، “هاني معاك”، “أحلام”، “حبيت”، “هنيني”، “فك عاد”، أغان تروي قصصا عن الحب والأمل والتمرد والثورة وجدت طريقها إلى ذاكرة الشباب ووجدانهم.
وفي أغنية “آه” ترددت الآهات في المدارج بطلب من “سي لمهف” الذي دعا الجمهور إلى التخلص من ضيقه وإطلاق الآه المنحسرة داخله وهو ما يندرج في إطار العلاج عبر الموسيقى.
أغاني “سي لمهف” اتخذت خلال العرض منحى يخضع لتسلسل زمني يمتد من الطفولة إلى الشباب لينتهي إلى الوطن الذي يجمع الكل من خلال أغنية “غرينتا” التي غناها موشحا بالعلم التونسي.
“لا صوت يعلو فوق صوت الجماهير” ترددت الكلمات في مسرح الحمامات بمشاركة كورال نوا وسرت الحماسة أكثر فأكثر في صفوف الجمهور واهتزت المدارج من فرط “الغرينتا”.
وبطلب من الجمهور أعاد “سي لمهف” الأغنية ورفع التونسيون الذين ملؤوا المدارج أياديهم عاليا تلبية لكلمات الأغنية “كانك تونسي هز ايديك خرج الغرينتا اللي فيك”…