مهرجان دقة الدولي ليس تظاهرة فنية وثقافية فحسب بل طقس يرجع للذاكرة جماليتها ومساحة يتعانق فيها التاريخ والحياة على أعتاب الأعمدة الأثرية التي تتحدى بشموخها كل الظروف.
وفي دورته التاسعة والأربعين (من 28 جوان إلى 07 جويلية)، يعود المهرجان بتوق واضح لإعادة صياغة معاني الثقافة والفن، حيث يتحرران من الركح ويجوبان الشوارع والأحياء ويتخففان من ثقل الأسماء التجارية ويراهنان على الاكتشافات.
برمجة متوازنة بين أسماء معروفة ومشاريع جريئة، بعضها يطلّ لأول مرة على جمهور المهرجان، وهو توجّه لا يخلو من المجازفة، لكنه ضروريّ لضمان استمرار المهرجان كمنصة للتجريب والاكتشاف لا كواجهة لعرض السائد.
وفي افتتاح المهرجان سيصدح صوت الفنانة آية دغنوج المتجذر في بيئته التونسية والعربية والمنفتح على كل الاحتمالات الموسيقية في المسرح الأثري بدقة، فيما يتوشح المسرح بعمل فني جديد للأخوين عبد الحميد وحمزة بوشناق “رقوج العرض” الذي ينهل من المسلسل الضارب في عمق تونس.
افتتاح واختتام بروح تونسية في تجليات مختلفة تظهر فيها تونس بموسيقاتها المختلفة وتلويناتها المتعددة ولهجاتها الكثيرة ويراهن فيها القائمون على المهرجان على فنانين تونسيين.
وفي قلب برمجة المهرجان أسماء خطت مسيرة مختلفة وجريئة جهلت الأنظار تلتفت إليها أفراد مشاريعها واختلافها من بينها الفنانة التونسية آمال المثلوثي الذي ارتبط صوتها بالثورة، والفنان المصري تو لييت الذي حمل الثورة إلى عوالمه الفنية حيث يحفظ لغته ويعيد تعريفها بإيقاعات أخرى والفنان عمر الطويهري “جنجون” الذي سيحمل الراب إلى مسافات أخرى من خلال مرافقة اركسترالية.
ولأن الدورة الحالية تتزامن مع خمسينية رحيل الفنانة أم كلثوم، يقترح المهرجان على عشاق كومب الشرق اكتشاف صوت الفنانة اللبنانية “ساندي لاتي” التي ستعيد رسم ملامح أغان خالدة على ركح المسرح الأثري بدقة.
وفي سياق الاكتشاف، ستتلاشى الحدود بين الجاز والإيقاع الافريقي والتراث الموسيقي التونسي والعربي مع مجموعة ” Afro Arabic Walzer”، وتروي الفنانة البريطانية “ليلي ليونز” هواجسها وأحلامها وأمانيها ضمن نمط الروك.
ولأن مهرجان دقة الدولي منصة لأنها موسيقية مختلفة فستتعالى النغمات السيمفونية في دروب المسرح الأثري على نسق “نوربي آرت” و”الاوركستر الفيلارموني ببرشلونة.
ولا ينحصر المهرجان في العروض الكبرى، بل يمتد إلى الشارع، إلى الأزقة، إذ تتشكل حفلات فنية مجانية في تبرسق ودُقّة يقتفي فيها الأهالي أثر المالوف والسطمبالي والموسيقى الشعبية والراي تتجاوز الترفيه إلى البحث عن الانتماء.
وتنفتح الدورة كذلك على مبادرات اجتماعية إذ تمت دعوة السكان لاستقبال الضيوف في بيوتهم طيلة فترة التظاهرة بهدف تعزيز الروابط بين السكان المحليين والجمهور، مع توفير مصادر دخل مباشر للأسر المشاركة.
ويؤمن المهرجان حافلات نقل يومية تربط بين تونس العاصمة والموقع الأثري، بما يضمن وصولا سلسا مريحا وصديقا للبيئة إلى المهرجان.
كما سيتم تركيز نقاط بيع للمأكولات والمشروبات داخل الموقع، مع توفر مجموعة متنوعة من الأطباق المحلية ومشروبات بأسعار مناسبة.
وكل التفاصيل السابقة ليست تنظيما لوجستيا بقدر ما هي رؤية متجذّر في تربة المهرجان الذي لا تتشكل ملامحه على دقة فحسب بل منها أيضا.
وقبل انطلاق المهرجان، تم تنظيم برنامج تكويني في تبرسق حول إدارة المشاريع الثقافية بما أتاح للشباب والفاعلين والمهتمين فرصة التعرف على أساسيات التنظيم الفني واللوجستي.
ويتولى اليوم فريق محلى الإشراف على حسن سير المهرجان ميدانيا ليتجاوز المهرجان دوره كمنتج عروض ومقدمها إلى مخبر مهارات وفرص.