فيما اتكأ الليل على نسيم البحر وناجت الأمواج حجارة المسرح المحاري بالحمامات، تزين الركح بحضور فنانتين تحمل كل منهما قضية موسيقية، ورؤية فنية، وإرثا تتشابك فيه الجغرافيا بالذاكرة.
المغربية هند النعيرة والجزائرية جازية ساطور، امرأتان بمسارات وخلفيات متمايزة، وحضورٌ يليق بالمقاومة والانتماء، يجمعهما الإيمان العميق بأنّ الموسيقى ليست مجرد ترف، بل فعل وجود وصوتٌ لمن لا صوت له.
على ركح مهرجان الحمامات الدولي، تقاطعت الفنانتان لا لتتنافسا، بل لتخطا، كلّ على طريقتها، فصلا جديدا من فصول الموسيقى المتجذّرة، المُتمرّدة، والرافضة أن تُختزل في فولكلور.
من المغرب جاءت هند النعيرة، تحمل معها جذور القناوة، وجرأة النساء حين يقرّرن اقتحام عوالم مازالت توصف بـ”الرجالية” ومن الجزائر، حضرت جازية ساطور لتقول إن الأصالة لا تعني الجمود، وإن فلسطين هي البوصلة.
سهرة نسجت ملامحها امرأتان من شمال إفريقيا، لا تلتقيان في المرجعية الموسيقية، لكن يجمعهما التمسك بالأصل ومحاولة إعادة كتابته، دون أن يُطمس جوهره.
حينما تعانق هند النعيرة القمبري تتشكل القناوة من جديد
حين صعدت هند النعيرة إلى ركح الحمامات، تجلى ذلك الباب الذي فتحته في جدار ممتد من التقاليد الذكورية ففي عالَم يُنظر فيه إلى موسيقى القناوة كعالم خاص بالرجال، ظهرت هي كمن يعرف جيدا أن الذاكرة لا جنس لها.
بعزفها على آلة القمبري، وبصوتها الذي يخترق الأثير دون إيذان، أسّست لحضور أنثوي نادر، لا يُطالب بمكان بل ينتزعه عبر الفنّ فيما يرافقها أربعة رجال، يعزفون على “الشقاشق” ويرقصون في انسجام كامل معها، لا كقائدتهم بل كجزء من كيانها الإبداعي.
على الخشبة لم يكن العرض مجرد أداء موسيقي، بل كان طقسا قناويا بروح جديدة، فيه من القداسة الإفريقية، ومن حرية الجسد، ومن نشوة الصوت ما يجعل الجمهور يتخلى عن دور المتفرّج ليصبح جزءا منه.
النعيرة لم تقدّم القناوة بوصفها فلكلورا للعرض، بل أعادت صياغته بلغة امرأة تُدرك أن الموروث ليس متحفا بل كائنٌ حي يجب أن يتنفس من خلال الجسد واللحن والكلمة.
لم تكن مغنية تُحيي عرضا فحسب، بل امرأة تُعيد توزيع الذاكرة على مقامٍ نسائيّ. قادمة من أعماق موسيقى القناوة، اعتلت المسرح بثقة من تعرف أرضها جيدًا، ومن تتقن العزف على أوتار التراث دون أن تقع في فخّ النسخ والتكرار.
بين يديها، كان القمبري أكثر من مجرّد آلة تقليدية؛ كانت امتدادا لجسدها، لصوتها، لحكايتها التي تماهت مع صليل الشقاشق حتى صارت الخشبة طقسا جماعيا، لا فرق فيه بين الراقص والعازف والمُشاهد.
حضورها كان طاغيا، لا تستجدي إعجابا ولا تُقايض هويّتها بتنازلات لم تكن نسخة عن أحد، ولم تحاول أن تُثبت شيئا، كانت فقط امرأة ذات إرادة لا تفرط في أحلامها، تعرف جيدا أن القناوة ليست حكرا على الرجال، وأن التاريخ يُكتَب مجددًا عندما تمتلك النساء صوتا صادقا.
القناوة في عرض النعيرة لم تكن مجرد نغمة تراثية، بل احتفال بالهوية ، وحوار مع الأرواح القديمة، وموسيقى تُوقظ ما ننساه كل يوم ومحاولة للتعافي والتخفف من أدران الواقع.
الأزياء القناوية، الإيقاعات الإفريقية، رقص الجسد المتماهي مع الأرض، والغناء الصادق الذي خرج من صدر النعيرة ليشق بوابة بين الواقع والأسطورة، كل شيء كان أصيلا، وحيا وحرا.
طقس قناويٍّ خالص، فيه من التصوّف ما يحرّك الساكن، وفيه من الصدق ما يراقص الوجع، تفاعل معه الجمهور بانسيابية، غنى وصفق وتمثيل واستلم للسفر إلى مكانٍ ما بين الماضي والحاضر.
حينما يصدح صوت جازية ساطور تتهاطل قضايا الإنسان على إيقاع مزيج من الشعبي والموسيقات الأخرى
بعد عرض هند النعيرة الذي كسرت فيه النمط وساءلت الإرث، بصوتها الواثق ولهجتها الجزائرية اعتلت جازية ساطور الركح كما تعتليه مقاتلة ناعمة، ليست صاخبة، لكن حضورها لا يُقاوَم.
غنّت بالعربية، ولهجة بلادها، وتجولت في إيقاعات تُشبهها وحدها : من الشعبي والجاز إلى التريب هوب والروك وغيرها من التلوينات، عرضها لم يكن مسارا مستقيما بل رحلة مليئة بالمنعطفات، تسير فيها دون أن تفقد البوصلة: الهوية أولا.
جازية لا تغني لتُعجب، بل تغني لتقول شيئا، لتنبش في التفاصيل، لتواجه الصمت، ولتعيد ترتيب الوجدان، صوتها فيه نعومة لا تخلو من الحدة، وموسيقاها تحمل بساطة الظاهر وتعقيد الباطن.
صوتها يؤوي الوطن والمنفى، وحضورها يختصر رحلة امرأة تُدرك أنّ اللغة لا تُحدها الجغرافيا، في غنائها شيء من الحنين، وشيء من الغضب، وأشياء لا تخضع لمنطق الأسماء ولكنها تغازل الأحاسيس.
موسيقاها لا تخضع لتعريف واحد، تماما مثل هويّتها ترقص على المسرح، تتقدّم، تتراجع، تُلقي التحية على الماضي لكنها لا تبقى فيه، تتحرك على الركح كما لو أنها ترفض الجمود، أو تتملّص من التصنيفات، تمنح الجمهور شيئًا من حرّيتها.
وفي لحظة مفصلية من العرض ولت صوتها شطر فلسطين في أغنية كانت أشبه بالمرثية بعد أن تحدثت عن الإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الصهيوني في غزة على مرأى ومسمع كل العالم.
بين صمت صارخ وتصفيق هادئ تشي نظرات الجمهور بأن الرسالة وصلت وأن الفن لا يحايد على تخوم الدماء وترسم تعابير جازية وجه الفن حينما يتحول إلى موقف.
مع أول جملة موسيقية تغيرت ملامح الركح وتحول العرض إلى احتجاج ناعم، إلى صرخة ضد الإبادة الجماعية، لا شعارات، ولا تصفيق متكلّف، بل وجع بصوتٍ نقيّ، وموقف غناه القلب.
مرآتان لهوية لا تخضع
ما جمع بين عرضي هند النعيرة وجازية ساطور لم يكن التشابه، بل الاختلاف الذي يحترم الجذور.هند النعيرة جاءت من قلب الطقس القناوي، حفرت في الذاكرة، وحوّلتها إلى مشهدية حديثة تعزفها امرأة، فيما أتت جازية ساطور، من حاضر مشتبك، جمعت فيه بين ما هو جزائري، وما هو عالمي، لتقولا إن الهوية ليست سجنًا، بل مساحة رحبة للتجريب.
كل واحدة منهما، بطريقتها، تُعيد طرح سؤال الأصل والانتماء، لكن دون أن تقع في فخّ النقاء المزعوم أو التقاليد الجامدة، النعيرة لم تُقلّد شيوخ القناوة، بل أعادت سرد القصة من وجهة نظر نسائية معاصرة، وساطور لم تقع في فخ الأغنية السياسية المباشرة، بل حمّلت فنّها معاني تتجاوز اللحظة، وتستدعي ضميرًا غائبًا.
كل واحدة منهما أتت من خلفية مختلفة، لكنّهما اتفقتا على أن الفن لا يكون حيًّا إن لم يكن صادقًا، وإن لم يحفر في الجذور بحثًا عن المعنى والتقيتا عند النقطة التي يصبح فيها الفنّ شكلًا من أشكال المقاومة فكلتاهما أعادت قراءة التراث على طريقتها، دون أن تُفرّغه من روحه، ودون أن تُجمّده في قوالب جاهزة.