في لحظة فاصلة بين الانتظار والخيبة، يقف المئات أمام الشبابيك والشاشات والأمل يحدوهم في الظفر بتذكرة ؛ تلك الورقة المحملة برغبات ملحة في حضور عرض موسيقي أو مسرحي.
فجأة تجمد الشاشات وتغلق الشبابيك وترافقها شارة الصولد آوت (كامل العدد) وترتهن الأحلام البسيطة موازية لسوق موازية تنتعش في مرحبا في موسم المهرجانات.
تبدأ القصة بإعلان العروض، ويُفتح البيع الإلكتروني وفي دقائق معدودة، تنفذ التذاكر لكن المفارقة أن هذه التذاكر نفسها تُعرض بعدها على منصات التواصل الاجتماعي بأسعار مضاعفة.
هذه السوق السوداء، التي نشأت في ظلّ غياب إجراءات صارمة، تنسف حق البعض في الثقافة والترفيه وصارت امتيازا لمن يدفع أكثر وسط حالة من الفوضى التي تتوسع شيئا فشيئا.
وهذا العام قررت الهيئة المديرة لمهرجان الحمامات الدولي أن تتخذ إجراءات صارمة للحدّ من الظاهرة من خلال فرض شرط أن تكون التذاكر شخصية، مرتبطة باسم المشتري، مع التنصيص على ضرورة الاستظهار ببطاقة الهوية عند الدخول. كما تم تحديد عدد التذاكر الممكن اقتناؤها للفرد الواحد، لمنع الاحتكار، وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص.
هذا الإجراء البسيط في ظاهره، يحمل وعيا عميقا بأن السوق السوداء لا تتغذى فقط من الفوضى، بل من صمت المنظمين أيضا وتتهافت معه أسئلة من قبيل “لماذا لا تعمم هذه الإجراءات في كل المهرجانات الكبرى؟ لماذا لا تُربط التذاكر برقم الهوية الوطنية منذ لحظة الشراء؟
والمؤلم في هذه الظاهرة أنها تمس جمهورا ينتظر المهرجانات ليلاقي فنانه المفضل ويراه رؤي العين لا على شاشة هاتفه وحاسوبه عبر المنصات الموسيقية.
أما الأسوأ فكون الظاهرة لم تعد تُثير الاستغراب فقد صار الجمهور يتوقعها، ويتعامل معها كأنها قدر لا مفرّ منه بل يسارع البعض إلى التعليق بكون التذاكر موجودة في السوق السوداء عقب الإعلان عن نفادها.
إنّ ما نحتاجه، اليوم، ليس فقط نظام بيع محكم، بل ثقافة احترام للفنّ، ووعي جماعي بأن التذكرة ليست ورقة عابرة بل بطاقة عبور لعرض يطمح الجمهور لمشاهدته، بطاقة غير قابلة للسلعنة.
وربما يصدّر مهرجان الحمّامات عدوى جميلة لبقية المهرجانات لتلافي ظاهرة “تذاكر الظل” التي تزدهر في موسم المهرجانات وتسيل حبرا وكلامك كثيرا على أمل التصدي لها وردع كل المسؤولين عنها.
ولا يمكن القضاء على هذه الظاهرة الا بمراقبة بيع التذاكر وتحديد عدد التذاكر للشخص الواحد مع ضمان هويته لمراقبة مسار التذكرة بالإضافة إلى معاقبة كل من يثبت تورطه في المتاجرة بالتذاكر دون آسقاط المسؤولية عن اشتراها بأسعار تبدو أحيانا “خيالية”.