بعد عشر سنوات من وقوفه الأوّل على ركح مهرجان قرطاج الدولي، عاد الفنان الفلسطيني محمد عسّاف، لا ليغنّي من أجل مسيرته الشخصية بل من أجل غزة، لم يكن امتدادا للمتوّج الملهم في أرشيف برامج الهواة، بل صوتا يحمل في حنجرته وجعا لم يعد يحتمل المجاز.
وفيما تجاورت رايتي تونس وفلسطين في المدارج وتوشح الجمهور بالكوفيات، أطل محمد عساف على الركح بجسد منصرف عن الإبهار، وعينين مثقلتين بمشاهد الحرب، وحين صدح بصوته متحدثا عن عودته إلى الركح تسربت اللوعة من ببن تجاويف الحروف.
كلماته تشبه النشيج، ونبرة صوته تختزن آلاف الجنائز وكم من حداد مؤجل على أعتاب التقتيل والتجويع وحضوره يستذكر دم فلسطين المباح وأطفالها الذين ارتقوا ملائكة ونحيب الثكالى واليتامى.
من تونس الغالية التي استحضر بيت الشاعر محمود درويش “كيف تشفى من حب تونس” لوصفها اختار أن يكسر صمته ويصدح عالية ليروي الوجع بصوته الذي يحمل في خامته الحصار والركام وكل الصرخات التي تحرج الصمت “الغريب والمريب” أمام الإبادة.
ومنذ إطلالته الأولى وحتى مغادرته الركح وشحت الكوفية الفلسطينية كتفيه وكانت سندا للفنان والإنسان الذي أرهقته الحرب واكتسب من الفقد والخذلان ما جعل صوته أكثر عمقا ووجعا.
“من أجل غزة” عنوان حسم به عساف نواياه ورسم ملامح عرضه الذي تخطى كونه مساحة للهروب والترفيه ليلامس المواجهة مع الضمير، مع الذكريات، ومع سيل الصور الموجعة القادمة من فلسطين ومع الشعور بالعجز.
العجز الذي يتكثف حينما يشحن عساف صوته بالأسى ويصرخ “لنا الله ” في أغنية “سلام لغزة”، صرخة تخترق روحك وتسائل إنسانيتك وتقحمك في حالة من الفصام إثر إيقاع موسيقى حماسية يوازيها صوت مغرق في الحزن.
اعتراف بالعجز الجماعي باح به عساف حينما أجزم أن الخلاص من عند الله وحينما تاهت ابتسامته التي علقت بذاكرة الجمهور بين سيول الدماء وصرخات الأطفال وأنين الجوعى وحرقة الغزاويين.
في منطقة وسطى بين الصوت والدم وقف محمد عسّاف على ركح قرطاج لا ليُغنّي فقط، بل ليشهد على المأساة ويُشيّع ابتسامته مع أفواج الشهداء ويُصلّي الجنازة على الضمير العربي الموؤود.
بعد أن سكن إلى الصمت طيلة عامين، تحديدا منذ انطلاق العدوان على غزة، بعد طوفان الأقصى، عبر السكوت إلى ضفة المقاومة عبر الصوت الذي صاغ نصّا مفتوحا على النكبة وممتدّا من شاشات الأخبار إلى الركح الذي صار مساحة للحداد.
فيما اختلفت تعبيرات الجمهور بين التصفيق والهتاف لفلسطين والتلويح بالرايات والكوفيات وحتى التمايل، كان محمد عسّاف شاهدا على التراجيديا بصوت لم يسع لإخفاء الانكسار فيه وعيون لا تتهرّب من الوجع.
بعد سنتين سكت فيهما عساف عن الغناء المباح، لم يعتلِ فيهما مسارحا وكأنّه يتهيّب الغناء في زمن الدم، وكأنّ صوته كان في حداد داخلي لا يغادر حنجرته، قرر أن يعود واختار قرطاج، واختار أن تكون العودة من أجل غزة.
غزة التي اختبرت كل معاني العجز كانت حاضرة في كل التفاصيل، في الأصوات المتهدجة التي غنت لها وهتفت والقلوب المفطورة على وطن أرهقه الاحتلال وعلى مدن تمحى دون إنذار وشعب يُباد في وضح الصمت.
الصمت القاتل الذي يلف الإبادة منذ لحظاتها الأولى تمزق على ركح قرطاج على وقع صوت عساف والمسجد الأقصى الذي زين الشاشة والأطفال الذين نبتت لهم أجنحة حينما ارتقوا شهداء والنساء اللاتي اختزن المقاومة في أعينهن.
الكوفية وتفاصيلها الموغلة في الرمزية وكل أسماء المدن الفلسطينية من النهر إلى البحر ارتسمت على الشاشات في الركح وأطلت حمامة بيضاء تنبئ بالسلام وتربت على صوت عساف المثقل بالعذابات.
الشاشات على الركح لم تكن مجرد خلفية بل شاهدا ومساحة للتوثيق وعساف لم يكن يتاجر بالمأساة، بل كان ابنها، أحد الناجين منها، وشاهد على أن الصوت آخر ما تبقّى حين يسقط كلّ شيء.
الاشتغال البصري لم يكن زخرفا ولا حيلة تأثير، بل امتداد للصوت نفسه حيث لم يحتضن ركح قرطاج عسّاف فقط، بل احتضن فلسطين كلّها، جغرافيا وذاكرة ودما ووجعا وصدحت كلمات أغاني عن العروبة، عن الأوطان، عن غزّة المحاصرة بين الموت والموت.
مع كل أغنية كان محمد عساف يلفظ الجمل الموسيقية كأنّه يفتّش عن ملامح أحبّته في المدى، وكأنّه يودّعهم واحدا واحدا وكأنه يقارع كل الضمائر التي سكتت وخنعت وخضعت وكانت وباعت.
فيما تعالت كلمات “يا دنيا علّي اشهدي”، اشرأبت كل العيون إلى السماء، كأنّ السماء وحدها تعرف حجم المأساة، ومع “جينالك يا فلسطين”، ارتسمت في كل العيون تعبيرة واحدة ” من تونس.. هنا فلسطين”.
وعندما غنّى “منتصب القامة”، مر طيف مارسيل خليفة وعبر محمود درويش بقصيدته من ضفّة إلى أخرى، ومع “يا بنات بلدنا” تراءى قبس من الحياة ونداء لا يعرف اليأس في صمود الفلسطينيات.
ومع “دمي فلسطيني” لم يترك عسّاف مقطعًا دون أن يدس فيه مرارة الوجع، حتى تخال أن دمه يسيل مع كل حرف وفي ثنايا “لو رحل صوتي”، لسميح شقير بدا الغناء فعل مقاومة وراكم عساف الملامح التي تجعل من عرض أثرا لا مجرد حفل عابر.
وفي المانفستو الإنساني الذي تلاه في أول العرض وتماهى فيه مع وجع غزة قال إن أجر عرضه في قرطاج وعائداته للقطاع الذي يرزح تحت عبء العدوان والإبادة والتجويع.
“علّي الكوفية”، و”يا طير الطاير”،”وين ع رام الله”، “شُدّوا الهمّة”، أغاني صدح بها عساف على إيقاعات حماسية أغوت الجمهور بالتمايل ولكنها لم تستعد ابتسامته التي تاهت وسط زحام الحرب على أمل أن يستعيدها قريبا حينما نعد جميعا الأرض لغزة كي تستريح.
صوت فلسطين على الركح، وصور الشهداء تتهافت من كل صوب وكلمات “بكتب اسمك يا بلادي” تسري في أرجاء المسرح الأثري وتعانق الرايات الخفاقة فيما تمر “سلام الله” كنسمة حزينة على تابوت رضيع.
ومع أغنية “بلدي العز يا غزة، تستعر المواجهة مع الواقع وكلما تسربت “غزة” من حنجرة عساف تشكلت معها الترجيديا المتعاظمة منذ ما يقارب السنتين، وتمثل أغنية “ارفع راسك” دعوة للتفاخر بالصمودوالمقاومة.
وفي “موطني” بدا صوت عسّاف قادما من بعيد، كأنّه يغنّي من مكان لا نراه، ربما هو ركام بيت محمل بأحلام أهله بينما كانت “سلام لغزة” بمثابة الوعد الذي يتعمق معه الجزع من هول ما يحصل في غزة.
منذ ملامحه الأولى، بدا جليا أنّ العرض لن يسلك درب العروض الغنائية التقليدية، لا ضحكة على وجه عسّاف، لا استعراض، فقط كان صوته يختزن المرثيات ويستحضر جنائز كل الشهداء.
قبالة الركح المحمل بالأسى لوح فلسطينيون بالكوفية وضربوا على الأرض بأقدامهم في رقصة الدبكة فيما ترقرق الوجع في أعينهم وأعلام تونس وفلسطين ترفرف وكأنها تقول إن الأمل مازال ممكنا.
وفي حديثه مع الجمهور، لم يخفِ عسّاف كسرته وحسرته، باح بصمته الطويل، وبثقله، وبما تفعله الحرب بالناس الذين يشاهدونها من الداخل وبرهن أن الغناء مازال صالحا للبكاء وللرثاء أن الحزن العربي وحده تمظهر وحدة.
وعلى شفا الجرح النازف كان الجمهور التونسي أكثر من جمهور، وتجاوز التضامن إلى الانخراط في الوجع وتحوّلت مدارج قرطاج إلى مجرّة تتلألأ فيها رايتا تونس وفلسطين تتوسلان النور وسط هالة السواد.
عرض “من أجل غزّة” لم يكن مجرد حفلة موسيقية، كان وثيقة فنية إنسانية، تُسجّل لحظة من الانكسار العربي العام، لكنّها في الآن نفسه تُذكّر بأن هناك أصواتاا مازالت تُقاوم وأن الفن يؤرخ للبقاء.
ومحمد عسّاف، لم يكن “النجم العربي”، كان ابن غزّة، يغنّي من أجلها، من بين الركام والحطام بصوت مُثقل لا يطلب التصفيق، بل يضع فلسطين في الصدارة في مواجهة الطمس والحرب ومحاولات التطبيع مع الإبادة.