بقلم رانيا الحـمّـامي
الإهداء
إلى الباحثين على النور وسط الظلام،
إلى زارعي الحب أينما مرّوا،
إلى رعاة السلام في كل مكان،
إلى باعثي الحياة في فاقدي الأمل،
إلى أصحاب العزائم والإرادة،
إلى محاربي الوهن والضعف،
إلى كل من يرفض أن تهدمه الهزائم،
إلى من قرّر الحياة.
هذا المَساء لن يُنْسَى من ذاكرةِ تاجوت.
يَجْتَمِعُ كل السكان دون استثناء في الفضاء الذي أمام القبو. أما مُريدو بيبو المُخلصون، فيَقِفُون داخل المَقام يَنْظُرون عبر الباب والنَّوافذ إلى العدد الغَفير الذي في الخارج وهم في حالة يُرثى لها، تَمُرُّ بيْنهم سالي لتَدْعمهم، تُرَدِّدُ مُبتسمة : لا بأس ، لا تَحْزَنُوا.
فبَعْد أن قرَّر مٌعارضو بيبو دُخول القَبو مُؤَكِّدين أن بيبو يَخْتَفي هناك، نادَ مُنَادٍ صباح اليوم في كل الشَّوارع وأعلن أن القَبو سَيُفْتَحُ في المساء للعُثُور على بيبو وإنْقاذ القرية وأهلها من موت مُحَقَّق. وكان إيحا يتَّبِعُ المُنادي ويَصرخ : لا تُفوِّتوا فُرصة اكتشاف حَقيقة بيبو وما يُخفيه في القبو.
يَقِفُ الشيوخ الخمسة وإيحا -في الُمقدِّمة- لِفَتْح باب القَبو الحديدي وخَلْعه. لم يَكُن بالباب ثُقب أو مَكان لِمِفْتَاح. على الباب شيء غَرِيب لَم يَفْهَم كُنْهَهُ أحد. لوحة بها أزْرار مَنْقُوشة من مَادة لا يَعْرِفونها. كُلَّما ضَغَطُوا على زرٍ إلاّ وأحْدَثَ صَوْتًا أَخافَ البعض فتَرَكُوا المَكان وعَادوا إلى القرية مَذْعورين. لكن اسْتَدْرَك أحد الشيوخ الأمر وفسَّر لإيحا إنها لوحة مفاتيح رقمية تَسْمح بِفَتْح الباب عندما يتم إدخال الرقم الصحيح. لم يَفهم إيحا شيئا مما قيل له لكنه شَعر بالرَّاحة. يُعْلِمُ الشيوخ المُنْتظرين أن لا حلّ لفَتْح الباب إلا بكسره.
تَمُرُّ السَّاعات شاقةً في مُحاولات الخَلْع إلى أن أظْلم المكان.
و أخيرًا يُفتح هذا الباب الذي كان من المُحَرَّمات حتى التَّخْمين في ما وراءه.
يُفتح الباب ويَنْكشِف القبو فيَقفز إيحا دَاخله في لحظة ثأر لأمِّه. أنه يشم رائحة الشواء ويرى أمه تَبتسِم له في سُكون، لا يُؤْلِمها اشْتِعال النَّار في جَسدها. تَبِعَهُ الشيوخ الخمسة. يَتدافع كلُّ من بالخارج للاقترابِ من الباب ومُحاولة رُؤية ما يوجد بالدَّاخل.
“لا يُوجد شيء بالدَّاخل”. كلمات انْسابت في الحُشود الواقفة كانْسياب مياه نهرٍ يَنْبَعُ من فم آلهة فلا يجف.
تَبْتَسِم سالي وهي تُواصِلُ طَمْأَنَة المُريدِين: “ألم أَقُلْ لكم لا تَحزَنوا، فبيبو حملَ معه كل ما في القبو قبل الرَّحيل.”
قبل أيام، انْقسم أهل تاجوت بين مُساندٍ لاخْتِفاء بيبو وبين مُعارضٍ. وتبيَّن أن مُريديه الحقيقيين
و المُؤْمنين به وبكل ما يَقوم به أقل بكثير من مُعَارضيه. كلَّما الْتقى أحد المعارضين لاخْتِفاء بيبو أحد مُريديه المُخلصين إلاّ وأسْتَفزَّه وجعل منه أُضحوكة. فيَصف بيبو بأبشع ما يُسمَع وينعته بالجبان والمُجرم والاسْتغلالي وغير ذلك مِمَّا يُثير الاشْمِئزاز وكأن بيبو لم يَسع جاهدا إلى أن يعمّ السَّلام والعدل والنِّظام في القرية ولم يَعمل جاهِدا أن يَنْزع من سُكَّانها الوَحْشيَّة ويَزرع فيهم القِيَم ورُوح التَّآخي والمَودَّة والحب.
اصْطف مُعارِضُو بيبو – واخْتفائه – وراء الشيوخ الخمسة وإيحا الذين عَمِلوا على إشْعال نار الفِتْنة بين أهل تاجوت. فبَعد هروب بيبو، ظَهر إيحا للعلن، وأصبح لا يُفوِّت فُرصةً إلاَّ ويُذكِّر بالجَريمة الشَّنْعاء التي جَرت في حَق أمه لسبب لا يستحق. وصارت مُهمَّتهم الوحيدة إيجاد بيبو. لم يَترُكوا مَكانًا في تاجوت أو في الغابة إلَّا وبَحثوا فيه.
أمَّا مُريدو بيبو فَكانوا لا يُفَارِقون المَقام إلا للضرورة. بَعضهم يَتدرَّب على القِتال لصدِّ الخَطر
وبَعضهم يُخمِّن في مَخرجٍ من المُصيبة التي هُم فيها. يَجْتمعون باسْتمرار لتَبادُل الأفْكار واقْتِراح الحُلول
و كانت سالي تَتَرأَّسُ اجْتماعاتهم.
أمَّا الأغْلبيّة العُظمى من أهل تاجوت فكانوا مُحايِدين. لم يَقدحوا في بيبو ولم يُجرِّموه لكنهم لم يُناصِروه. كأنهم يَنتظرون بِصَمت نِهاية كل ما يَحدث ليَصْطَفُّوا وراء المُنْتَصر في حَرْبٍ لا تُرى بيْن شِقين يَجمعُ بينهما كل شيء: الأرْض والهواء والماء والدِّماء. ويَجمع بينهم المُسْتقبل.
*****
“وَجدْتُها، وَجدْتُها”.
يَصرُخ أحد مُريدي بيبو في إجْتِماعٍ بالمَقام.
يَلْتَفِتُ إليه الجميع. يُواصِل بِحَماسٍ شديدٍ:
أَقترِحُ أن يَنْتَحِل أحَدُنا شخْصيَّة بيبو ويُقدِّمُ نَفْسَه للفضائيين وهكذا نَعرِفُ ماذا عَساهم يَفْعلون وماذا يُريدُون تَحدِيدًا.
سالي: الأغلب أنهم يُريدون قَتْل بيبو أو حَمْلَه للفضاء معهم.
ميسا: أو ربما يُريدون تَكليفه بمُهمَّة أو فقط مُحادثته للإطلاع على أمر ما يهم تاجوت.
سالي: ليْست هذه طريقة يتمّ بها البَحْث عن شخص يُريدون فقط مُقابلته. فهم يَطلبونَه حيًّا وإن تعذَّر فميِّتًا.
المُريد: فليَكُن. يَنتحلُ أحَدُنا شَخصيته ونُنْقِذُ بيبو ممَّا سيَفعلون به. ثم يعود إلى المَقام ويُعِيد للقرية نِظامَها ولأهلها إِنْضِبَاطَهُم وتَعود نَسمات الحب والسَّلام إلى شوارعنا.
سالي: لكن من سَيتطوَّع من أجل بيبو للقِيام بهذا؟
المريد: المُتطوِّع سَيفعلُ هذا من أجل القرية
و مَصالح أهلها وليس فقط من أجل بيبو.
يتدخل مُريد آخر: لكن سَينْكَشِفُ الأمْرُ قبل أن يَصِل المُتطوِّع إلى مَرْكبتهم. فكل تاجوت تعرِف وجه بيبو.
المُريد: فلنَشتَرِط عليهم أن يحمل بيبو غطاءا على وجهه إلى أن يصل إليهم وأن لا يَراه أحدٌ غيْرُهم، ونعلِّلُ ذلك بأنَّه يُريد تَجنَّب رُؤية الشَّماتة أو السُّخرية في عين أحدٍ. وأن يَعود به إلى أن يَصل المقام.
سالي: الخُطَّة ذكيَّة لكن من سَيتَطوَّع لهذا؟
المريد: من هو مُقتنِعٌ أن أهل تاجوت يسْتَحقُّون الأفْضل. من يُمكنه إنكارُ ذَاته ويُنقِذ تاجوت من سُوء المصير.
من هو مقتنع أنه لا يُوجد أعظم من التَّضْحية من أجل المَجموعة.
تَضحية يَكون بها لوُجوده على هذه الأرْض مَعْنى.
فلا مَعْنى للحياة إن لم تَحْمل رسالة نَبيلة أو إن لم تُقدِّم شيْئًا للإنْسانيَّة.
مَن يَحْمِلُ إيمَانًا راسِخًا بأن الأرْواح الطيِّبة لا تَفْنى بل تَعُود لتُقدِّم المَزيد من الخَيْر إلى البشريَّة.
يَصمت المُريد بعض الشيء، يتَأمَّل بتأنٍ وجوه المُريدين الذين يُحيطون به ثم يَنْظُر إلى سالي بعيْنيْن تَلْمَعان كأنهما وَميضُ بَرْق ويَقول بكل حَزْمٍ :
أنا. أنا، أتطوَّع من أجل خيْرِ القَرية.
يَعمُّ الصَّمت المَكان تَقْطَعُه سالي : سَأنْظُر في الأمْر، أمهلني فَقط يوميْن.
* على امتداد سنة 2025 ننشر رواية "الفاضرضي"، في أجزاء بصفة دورية وذلك بالاتفاق مع الكاتبة ومؤلفة هذاالعمل رانيا الحمّامي، التي تمتلك حصريا حقوق النشر. وقد تم تقديم هذه الرواية من قبل الباحث والدكتور توفيق بن عامر، رئيس الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين. لمعرفة أكثر تفاصيل عن كاتبة الرواية يمكن زيارة موقع www.raniahammami.tn