أغمض فاضل الجزيري عينيه وغادر خشبة الحياة تاركا وراءه صدى خطواته على الأركاح، أعرض عن كل الأضواء التي كانت تلاحق ظله وهو الفنان الذي ترك إرثا مسرحيا وموسيقيا لا يبلى.
فاضل الجزيري يجمع عناد الحلم وصرامة تحقيقه، وعبق التراث وجرأة التجريب، والوفاء للجذور والبحث عن أفق أخرى تكسر القيود وتتخطى الحدود.
الفنان الذي لم يحشر نفسه في زاوية، كان يعي أن الفن ليس مجرّد عرض على ركح مسرح، بل فعل حياة ظل يمارسه حتى آخر رمق.
منذ بداياته، كان الجزيري مشدوها إلى فكرة أن المسرح يمكن أن يكون مرآة ومحرّكا في الوقت نفسه وخلق أعمالا صارت علامات فارقة في تاريخ المسرح التونسي.
في أعماله، يتشابك النص مع الموسيقى، ويجاور الرقص الكلمة، ويغدو الضوء شخصية إضافية في الحكاية، وهو الذي لم يكن يخشى كسر التقاليد المسرحية، بل كان يستفزها ويعيد تركيبها، وكأنه يفاوضها على صيغة جديدة للحياة فوق الخشبة.
إرثه لم يتوقف عند المسرح فقد خاض مغامرات جريئة في الموسيقى، وحمل المزود من مساحته الضيقة إلى خشبات المهرجانات العالمية في تصور بتجاوز إعادة تقديم أغانٍ قديمة.
هو مسار فني يحاول نفض الغبار عن الذاكرة وتقديمها في ثوب معاصر دون أن تفرغها من روحها كان الجزيري وسيطا بين جيلين: جيل تربّى على أنغام المزود وجيل يبحث عن لغة موسيقية تُحاكي عصره.
كان الجزيري يعرف جيدا أن الإيقاع الشعبي حين يلتقي بالسينوغرافيا المسرحية وبالإضاءة المدروسة، يصبح خطابا فنيا قادرا على عبور الحدود.
لم يكن أسيرا للنوستالجيا ولا سجينا للماضي، كان ينغمس في التراث ويجول في ثناياه يختبره ويستنطقه ويعيد صياغته في بنى جديدة.
رحيله خسارة، بلا أدنى شك، لكن إرثه الفني باقٍ، ليس فقط في التسجيلات والصور، بل في ذاكرة كل من شاهده على الخشبة أو سمع إيقاع المزود وهو يتنفس على ركح المهرجانات.
حينما أسدل ستار الحياة، عرج الوداع على كل تلك البيوت التي أقامها الجزيري من ضوء وصوت وحركة ودعانا إلى دخولها فالجهاز غرباء ونخرج منها ممتلئين بأشياء كثيرة..
رحل رجل الركح الذي صنع بيوتا للدهشة واكن صوته ونظراته الواثقة ستظل عالقة في كل خانات الذاكرة !