الفنانون لا يرحلون، هم فقط يبدّلون مقاماتهم، يخلعون أجسادهم ويمضون إلى العلياء، لكن أرواحهم تظل تحرس الشاشات والأركاح تسكن ذاكرة الأمكنة وتستقرّ في شرايين الفنّ، وتذكّرنا بأنّه أقوى من الفناء.
والفاضل الجزيري من بين هؤلاء الذين يتحولون على تخوم الرحيل إلى أصوات وصور وعلامات تضيء مسارات الذاكرة وهمسات تؤنس وجدان الوطن وظلال تتسلل من بين المشاهد والفصول.
في دروب الحياة كتب وصاياه بالصورة والصوت والخطوة والإيماءة، فلم يكن رحيله، بعد سبع وسبعين سنة من معانقة الفنّ، غيابا، بل حضورا راسخا أهدى مسرح قرطاج في دورته التاسعة والخمسين ليلة موغلة في الذاكرة حين استعاد إبداعه عبر عرض فيلمه “ثلاثون”.
الفن في حياة الجزيري ليس مهنة واختيارا فحسب بل قدر لازمه منذ الطفولة حتى آخر العمر، طفل انبهر بالمسرح في المدرسة الصادقية، وشابّ عاشق للفن الشعبي، وشيخ حمل على كتفيه هاجس الذاكرة الجماعية.
في فضاء نقيض للموت، حيث تجلت عروضه وهو حي، تجلت سيرة رجلٍ حوّل الفن إلى مقاومة والذاكرة إلى وطن عبر عرض فيلم “ثلاثون”، في خطوة تتعدى استعادة عمل سينمائي قديم إلى استدعاء لذاكرة فنية ووطنية.
المدارج لم تغص بالجمهور في حضرة الرحيل، ولكن الحاضرين الذين التحفوا البياض مذعنين لوصية رجل لم ينفك يمسرح حياته قبل الوداع الأخير حضروا من أجله، من أجله إرثه الفني، من أجل الانغماس في حقبة الثمانينات بكل ما تحمله من نضال ووجع.
“ثلاثون” ليس فيلما تقليديا، بل تجربة سينمائية توثيقية متفردة نسج الجزيري ملامحها بعد ست سنوات من البحث والتنقيب وحول فيها ذاكرة تونس في الثلاثينات إلى حالة بصرية تجاوز فيها الأبيض والأسود الاختيار الاستيتيقي في عرض قرطاج.
وفي منطقة فاصلة بين الموت والحياة، بدت فترة الثلاثينات لا تحتمل الألوان، وسط ذروة الصراع بين الضوء والظل، وبين الحلم والخذلان، وبين الثورة والرجعية، فلا ألوان تضاهي تلوينات صوت الطاهر الحداد وهو يروي زمنا تحاربت فيه القيود مع إرادة التحرّر.
نضالات محمد علي الحامي ومحن أبو القاسم الشابي وفيض قلمه وجرأة علي الدوعاجي وسخريته من الاستعمار والظلم، ومعاناة الطاهر الحداد ذاته حين دُفع إلى عزلة قاسية بسبب آرائه والنكائد والجهل الممنهج، كانت الخيوط التي تحرك الفيلم.
وفرادة الجزيري لم تكن فقط في استحضار الشخصيات التاريخية، بل في لغته السينمائية التي تراقص الذاكرة من خلال تركيب (مونتاج) يعتمد على مقاطع أرشيفية تتقاطع مع صور متخيّلة، وتسجيلات وثائقية عن المؤتمر الأفخارستي أو الحراك النقابي تندمج مع سرد شعري بصري.
ولم يكن الفيلم خطّا زمنيا بسيطا، بل فسيفساء من الأصوات والصور، كأنّ الذاكرة نفسها تنطق وتعيد ترتيب الأحداث لتجعل من “ثلاثون” تجربة استيتيقية إنسانية ينغمس المتفرج على وقعها في الماضي الذي يبدو من فرط شاعريته حاضرا.
في حضرة فيلم “ثلاثون” لا يكون المشاهد أمام شريط سينمائي فحسب، بل أمام مرآة زمنية تعيد صياغة الذاكرة الوطنية وتستدعي جيلًا كتب وجوده بالحبر والدمع والتمرّد.
الفيلم في أبيضه وأسوده، عكس شغف المخرج بجدلية الحياة والموت الذي غاص في الذاكرة باحثا عن شظايا منسيّة يعيد صياغتها بلغة السينما ليشرّع نوافذ الماضي لعل بعضا من وميض الثلاثينات يتسرب إلينا.
الكاميرا في “ثلاثون” تحفر في عمق التاريخ، كأنها معول يكسر صمت السنين ويستفز رفات الأحلام، تورط المتفرج في زمن يتأرجح بين الحقيقة والرمز وتعيد تركيب مرحلة مشحونة بالأسئلة.
“ثلاثون” هو وثيقة وصرخة حملت فيها جماعة “تحت السور” على عاتقها حلم التمرد على التقليد وبذرت في أرض يابسة ملامح مجتمع آخر، أبو القاسم الشابي، والطاهر الحداد، وعلي الدوعاجي أسماء عانقها الجزيري في ثنايا التاريخي.
الأسماء التي ظلت حبيسة الكتب أو رفوف الذاكرة ونقاشات ضيقة واستحضار مناسباتي أراد لها المخرج أن تمشي في أزقة تونس، وأن تتحدث بلسان حالها، وأن تغني وتبكي وتثور، فالتقطت السينما صمتهم الصارخ قبل أحاديثهم التي لا يتلاشى صداها.
الطاهر الحداد في الفيلم ليس راوٍ فحسب بل هو ضمير جيل كامل، بل أجيال، يمشي بين القبور ويقرأ على العالم وصايا الحرية، يبوح بآلام الجسد المقيد ويصرخ في وجه الرجعية.
أبو القاسم الشابي يظهر كشاعر حالم يكتب الحب والحياة بينما تنهشه الغربة داخل وطنه، وعلي الدوعاجي يحضر ساخرًا، كأنه يحاول أن يضحك على قسوة عصره، كل شخصية هي تجسيد لصراع أكبر، والفاضل الجزيري جمعهم تحت سقف واحد: السينما.
الفيلم لا يكتفي باستدعاء الأسماء، بل يستحضر أيضًا الحراك السياسي والنقابي: من اعتقال محمد علي الحامي، ونفيه وموته، إلى سجالات بورقيبة الأولى، والمعارك ضد الاستعمار، والمؤتمر الأفخارستي، تفاصيل لم تظهر في الفيلم كأحداق بل كجزء حي من وعي جماعي لم يكتمل.
“ثلاثون” لم يكن مجرّد شريط يوثّق، بل هو شريط يتساءل عما بقي من ذلك الجيل؟ وهل انتصروا أم انهزموا؟ وهل كانت كلماتهم وقودا لتونس أخرى أم مجرد صرخات في فراغ؟ قطعا لا يجيب الفيلم عن هذه الأسئلة د لكنه يتركها مفتوحة كجرح لا يندمل.
العناد، والصبر، والجرأة في مواجهة السائد ملامح ترسخت منذ صدحت أصوات التغيير حتى التحاق بعضها بقافلة الموت في عمل أهداه الجزيري إلى أرواح رفاق الدرب الحبيب المسروقي، ورجاء بن عمار، وهشام بن عماد، واصلا بين جيلين من الحالمين.
على ناصية قسوة العيش، وحِدّة الصراع، ونقاء الحلم وبساطته، رسم “ثلاثون” لوحة عن جيل “تحت السور” الذي آمن أنّ الثقافة يمكن أن تهزم الجهل، وأن الكلمة يمكن أن تواجه الاستعمار.
هو ليس فيلم بل مرثية بصرية لجيل حلم بالحرية، وهو أيضا احتفال بقدرة الفن حين يقتحم مناطق الصمت، هو اختبار للذاكرة في منطقة وسطى بين النكران والعرفان والجحود والاعتراف.
وفيما تلازمك صرخة الطاهر الحداد في الفيلم حينما بلغه نبأ رحيل أبو القاسم الشابي، تزداد يقينا بأن السينما يمكن أن تحوّل الغياب إلى حضور، وأن الفن لا يموت، رحل فاضل الجزيري لكن “ثلاثون” بقي شاهدا على ذاكرتنا.