هذا أنا..
هذا هو آدم، الصوت الذي لم يخلق منه اثنان منذ أن عرفه الجمهور العربي سنة 2004 في برنامج سوبر ستار… صوت يحمل في داخله مرارة التجارب وصدق الشجن، كأنّه تربّى في كنف الحزن ثم اختاره بيتا لصوته لسنين طويلة.
هذا أنا… الربيع حين يزهر الأمل في كلمات، الخريف حين تتساقط الهموم لحنا وراء لحن، هكذا كان آدم في قرطاج مسافرا بخياله وصوته، آخذا جمهوره من أغنية إلى أخرى دون توقف، بلا استراحة، كأن الموسيقى كانت هي وحدها زاده وسنده في مواجهة التعب والإرهاق.
أغنياته لم تكن مجرد كلمات وألحان، بل محطات في ذاكرة مستمعيه. فأغنية “على بالي” حفرت لنفسها مكانا في قلوب العشاق و”خلص الدمع” لم تكن مجرد جملة غنائية بل حالة جماعية يعيشها كل من فقد أو افتقد و”خلصت الحكاية” و”كيفك انت” و”هذا أنا” رسمت ملامح فنان يجرؤ أن يقول ما يخشاه الآخرون.
وفي قرطاج، كان المشهد أكبر من مجرد حفل، كان امتحانا وشهادة ميلاد جديدة على واحد من أعرق المسارح العربية، المسرح الذي غنّت عليه الأساطير من فيروز إلى وردة، من صباح فخري إلى صابر الرباعي. أن يقف آدم هنا يعني أنه اجتاز أكثر من عشرين سنة من العمل، الصبر، والتحدي. كان الإرهاق باديا على وجهه، لكن شيئا أقوى من الجسد كان يقوده…الحلم، حلم أن يقول لجمهوره “أنا هنا، وهذا أهم يوم في حياتي”.
انتهت دموعه على الخشبة، لكن دموع الحاضرين لم تنته اذ تحولت أغنياته التي تربينا عليها أو اكتشفناها صدفة، في تلك الليلة إلى مرايا صغيرة عكست وجوه الجمهور…امرأة تذكرت غيابا، شاب عاش أول خيبة حب، رجل يستعيد صوت حنين قديم. لينجح آدم في جمع الأجيال، فالمراهقون هتفوا معه كما هتف الكبار، والجميع اتفق على أن الصدق لا يشيخ.
لم يكن آدم “ملك الأحزان”، بل كان “ملك الإحساس” لأنّ الحزن ليس ضعفا عنده، بل قوة لأنه علّمنا أنّ الغناء ليس دائما فرحا مصطنعا، بل أحيانا هو مواجهة الجرح. آدم لم يتردّد في أن يفتح قلبه للملأ، أن يجعل من معاناته لغة يتكلم بها الجميع. في زمن يهرب فيه الفنانون من ثقل العاطفة، تجرّأ هو على أن يسلك طريقه وحيدا، مخلصا لصدقه.
ومع ذلك، لم ينس أن يكرّم الزمن الجميل فغنّى لميادة الحناوي “أنا بعشقك”، ثم انتقل إلى ذكرى بأغنيتها “الأسامي”، قبل أن يأخذنا إلى جورج وسوف، مدرسة الشجن. وعندما غنّى “حلف القمر”، بدا القمر نفسه شاهدا على ليلة لا تنسى من ذاكرة قرطاج.
آدم الذي أعطى صوته لعشرات الأعمال الغنائية والدرامية والذي بقي بعيدا عن الصخب الإعلامي، اختار أن يبني مكانته ببطء وأن يترك أثرا لا يمحى. فكان هو الاغنية الباقية في عالمٍ يبحث عن الأغنية السريعة.
وفي لحظة ختام ساحرة، سجد آدم على الأرض شاكرا الجمهور، شاكرا لكل نبضة حب، لكل دمعة شعور ولكل قلب حضر.
ليلة آدم في قرطاج لم تكن حفلا عاديا بل كانت مصالحة بين الحزن كحالة فردية والحزن كطقس جماعي، وولادة جديدة لصوت يعرف أنّ الجرح لا يشفى… لكنه يغنّى.
هديل الهمّامي