أطلّ مرتضى الفتيتي على جمهور مدنين ليلة البارحة حاملًا معه وعد عرضٍ غني بالروعة الموسيقية والتلاحم الجماهيري.
مرتضى، الذي كان قد سحر الجمهور في نسخة العام الماضي عاد هذا العام محمّلًا بثقة التجربة ونضج الأداء ليكسب الرهان من جديد ويؤكد أن الرهان الذي خاضته إدارة المهرجان بإعادة استضافته لم يكن تكرارًا بل ترسيخًا لحضور استثنائي عرف كيف يوقظ الذاكرة الموسيقية لدى جمهور يعشق الفن الصادق
منذ الدقائق الأولى لانطلاق العرض تبيّن أن الجمهور لن يكتفي بدور المتفرّج فقد كان الحضور مكثّفًا وتفاعليًا بشكل لافت حيث رافقت الأغاني تصفيقات مدوية و غناء جماعي مع هتافات من مختلف الفئات العمرية فبدا واضحًا أن هذا الجمهور يعرف تمامًا كلمات الأغاني ويحمل معها علاقة وجدانية ما جعل التفاعل بينه وبين الركح عنصرًا أساسيًا في نجاح السهرة
كما كان الدور المحوري الذي لعبته فرقته الموسيقية الشابة محطّ أنظار حيث أظهرت انسجامًا كبيرًا وتوزيعًا دقيقًا للأدوار
كل عازف كان حاضرًا بطاقته، بحركته، وبأسلوبه الخاص، ليساهم في خلق توازن صوتي وركحي جعل العرض يبدو كمجموعة متناغمة تتحرك بإيقاع واحد
الفرقة لم تكن مجرد مرافقة صوتية بل كانت طرفًا فاعلًا في بناء الحالة الفنية التي عاشها الجمهور. بتوزيعات محكمة، حيوية ظاهرة، وتفاعل حقيقي مع إيقاع الأغاني وتغيّراتها أظهرت هذه المجموعة الشابة مستوى عالٍ من الجاهزية والاحتراف وقدّمت صورة فنية تليق بعرض مهرجاني من هذا المستوى
كالعام الماضي تنقّل مرتضى الفتيتي خلال العرض بين عدد من أنماطه الغنائية المعروفة مقدّمًا أعماله الخاصة التي باتت جزءًا من ذاكرة الجيل الجديد مثل: “رايدة” و”ماني راجع” و”شدة وتزول” و”ما سمعوا كلامو” أثّثها بمقاطع من التراث التونسي والعربي عزّز بها تفاعله مع مختلف الأذواق الحاضرة
هذا التنوّع لم يكن عشوائيًا بل خضع لاختيارات مدروسة تظهر فهم الفنان لجمهوره وقدرته على خلق التوازن بين المعاصر والقديم، بين الشعبي والحديث، دون أن يفقد العرض هويته
من جهتها، نجحت إدارة مهرجان مدنين في كسب الرهان للمرّة الثانية
حيث بدا اختيار إعادة هذا العرض الذي نجح في نسخة 2024 قرارًا ذكيًا يعكس ثقة في ذوق الجمهور وليس مجرّد اجترار لتجربة سابقة
حفلة مرتضى الفتيتي لم تكن مجرّد عرض موسيقي عابر بل كانت تجربة جماعية حيّة أظهرت أنّ العلاقة بين الفنان والجمهور ما تزال قوية ومبنية على الصدق والتقدير المتبادل ومع فرقة نابضة بالحيوية والتناغم وإدارة واعية لنبض المهرجان حُفرت هذه السهرة في ذاكرة الدورة 45 كواحدة من أكثر السهرات اكتمالًا ونجاحًا.
عهد العماري