بقلم حسن بن علي*
تعتبر المسألة القوميّة من أبرز المباحث الفكرية والحضارية التي اهتمت بها ” الأنتلجنسيا العربية ” في العقود الاخيرة وان البحث في مفهوم الفكر القوميّ يحيلنا الى ظروف نشأته وانتشاره وما ترتب عنه من تجارب وحداوية في وطننا العربي وهو ما يستدعي من المفكرين والباحثين العرب وغيرهم مزيد التعمق في تحليل أسباب فشل الأمة العربية في تحقيق حلم “الوحدة” منذ عام النكبة (1948) الى عام النكسة (1967) ثم إلى نهاية الألفية الثانية وصولا إلى ثورات الربيع العربي ….
هنا استوقفتني الباحثة والكاتبة سامية فطّوم بكتابها الجديد بعنوان: “التيارات المناهضة للقومية في الفكر العربي الحديث قبل نكسة جوان 1967” الصادر سنة 2024 عن مؤسسة GLD للنشر و التوزيع ، تونس. وجاء هذا الكتاب في 504 صفحة من الحجم المتوسط وحمل بين دفتيه مقدمة و خاتمة وقسمين كان القسم الأول بعنوان “في تعريف القوميّة والتيارات المناهضة لها ” وتضمن أربعة فصول توزعت على عناوين فرعية أما القسم الثاني فكان تحت عنوان “في حدود العلائق والجدل الفكري بين القوميّة والتيارات المناهضة لها إلى موفى الستينات ” وتضمن أربعة فصول توزعت أيضا على عدة عناوين فرعية إلى جانب فهرس المصادر والمراجع وفهارس الأعلام والمصطلحات و الأحزاب والجمعيات.
وهذا الكتاب أنجزته الكاتبة سامية فطّوم خلال العقدين الأخيرين من الألفية الثانية في إطار أطروحة الدكتوراه التي ناقشها سنة2012 أمام لجنة علمية تركبت من الأساتذة نجم الدين الهنتاتي (رئيسا) وتوفيق بن عامر (مشرفا) وعبد الجليل سالم (عضوا مناقشا) ورضا عزّوز (عضوا مناقشا) ومحمد شقرون (عضوا مناقشا) والتي أسندتها ملاحظة مشرف جدا.
وفي مقدمة هذا الكتاب، أشارت الكاتبة إلى أنها اشتغلت في هذا المبحث الفكري على فكرة القوميّة وفق رؤى مناهضيها ومعارضيها والقوميّة من الوجهة الضد وحاولت تبينها فكرا كما تبلورت في خطابات وسجالات المفكرين القوميّين العرب وايديولوجيا من خلال منجز السياسين العرب وتجاربهم السياسية. وتناولت الكاتبة في مبحثها فكرة القوميّة بما هي ظاهرة اجتماعية وثقافية وسيكولوجية وسياسية ومعرفية كما أشارت إلى أن التيارات المناهضة للقومية يمكن تحديدها بثلاثة تيارات كبرى هي تيار الأممية الإسلامية أو الحركات الإسلامية الأصولية وتيار الأممية الشيوعية والتيار الإقليمي – القطري وأكدت الباحثة سامية فطّوم أن هذا العمل استوجب منهجا تاريخيا لتقصي الأحداث واستنطاق النصوص وفق المقاربات التاريخية.
وتضمن القسم الأول من هذا الكتاب بحثا في المفاهيم والمصطلحات لكل التيارات وتقصيا للجانب التاريخي للتيارات الثلاث نشأة وتطورا ومنزلة كل تيار في الوعي العربي المعاصر فكرا وممارسة أو تبلوره ايديولوجيا وسياسيا ، لقد تضمن هذا القسم أربعة فصول ، في الفصل الأول تناولت الكاتبة القوميّة من سياق الحداثة إلى سياق النهضة العربية، وكان الفصل الثاني قد تناول السلفية الإسلامية من الحركة الإصلاحية إلى حركة الإخوان المسلمين من خلال عدة نماذج لتبين العلاقة بين الإخوان والسياسة وسلط الفصل الثالث الأضواء على التيار الماركسي من خلال البحث في المفاهيم الماركسية وأهم المبادئ الأساسية للأممية الشيوعية وأبرز الأحزاب الشيوعية العربية.
واهتم الفصل الرابع بالتيار الإقليمي – الوطني القطري. أما القسم الثاني من الكتاب فجاء تحت عنوان: “حدود العلائق والجدل الفكري بين القوميّة والتيارات المناهضة لها إلى موفّى الستينات” متضمنا أربعة فصول، اهتمّ الفصل الأول بالقوميّة العربية والتيار السلفي-الإسلامي، فيما اهتم الفصل الثاني بالقوميّة والأممية الشيوعية.
وتناولت الكاتبة في الفصل الثالث موضوع “القوميّة والتيار الإقليمي –الوطني القطريّ”، لتختم الفصل الرابع من القسم الثاني بالحديث عن “الجدل الفكري بين القوميّة والتيارات المناهضة لها”.
وفي خاتمة هذا الكتاب أكّدت الباحثة سامية فطّوم انحسار المد القوميّ وإفلاس النظرية التقليدية ونهاية الايديولوجيا من خلال تراجع القوميّة في صراعها مع التيار السلفي الأصولي وتقهقر الفكرة القوميّة مع هزيمة جوان 1967، مقابل المدّ الإسلامي وانتشار الحركات الإسلامية. وأضافت قولها: “… كان التعارض على أشدّه، بين الفكر القوميّ والايديولوجيا القوميّة والحركات الأصولية رغم الإقرار بأن لا تعارض بين الدين والقوميّة، وبأنّ العروبة والإسلام وجهان لحقيقة واحدة ، في التاريخ…”.
والدكتورة سامية فطّوم من مواليد القيروان وتشغل أستاذة باحثة بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة وعضو الجمعية التونسية للدراسات الصوفيّة. ولها عدة إسهامات بالندوات العلمية الوطنية وبالمؤتمرات الدولية ونشرت عدة مقالات فكرية بمجلات عربية مُحكمة وبمنشورات جماعية من بينها: “المدّ المذهبي المعاصر” و”محاضن الإرهاب واستراتيجيات تفكيكها” و”توفيق بن عامر المفكّر والوليّ” و”العلمانية في الفكر القوميّ العربي إلى الحرب العالمية الثانية” و”دراسات وبحوث في الجدل السياسي الديني حول شكل الدولة والمجتمع” و”الخارطة المذهبية في تونس قبل الثورة وبعدها”… الخ.
ويُذكر أنّ الأستاذة سامية فطّوم لها عدة إسهامات قيّمة في عديد الندوات العلمية المنتظمة ببلادنا، كانت أخرها تظاهرة “الطرق الصوفية والإنشاد الديني” و”التصوف النسوي وأبعاده الثقافية والاجتماعية” اللتان نظمتهما جمعية علوم وتراث بالقلعة الكبرى المنعقدتين يومَيْ 10 نوفمبر 2024 و31 ماي 2025 بقصر بلدية القلعة الكبرى.
عموما يمكن القول أنّ الكاتبة سامية فطّوم قد نجحت إلى حد بعيد في تحليل انحسار التيار القوميّ في الوطن العربي أمام هجمة التيار الاسلامي وغيره من التيارات الأخرى. إلا انه بإمكان نخبتنا الفكرية العربية مواصلة البحث في مثل هذه الإشكاليات خصوصا وان الأمة العربية ستكون في قادم الايام في وضع جيواستراتيجيّ متغير بسرعة ومتشابك (دوليا واقليميا) وذلك بسبب انماط الحروب الجديدة وفي مقدمتها حرب “الصورة” وكيفية انتاجها بدقة متناهية وتأثيرها على الوعي الجماعي … الخ. فهل يستفيق العرب من سباتهم العميق؟
لننتظر …
* مدير ورئيس تحرير صحيفة "أخبار الساحل "