مازالت القضية الفلسطينية، منذ عقود، راسخة في وجدان التونسيين، تتجاوز حدود التضامن العاطفي لتترجم في مبادرات انسانية ميدانية وشعبية. فالانتماء للقضية لا ينفصل عن الهوية الوطنية وهو شعور راسخ منذ عقود طويلة في الذاكرة الجماعية التي حملت دوما شعار “فلسطين حرّة من النهر إلى البحر”. وفي هذا السياق، تحوّل ميناء سيدي بوسعيد في الأيام الماضية إلى مسرح لتلاق بشري ووحدة انسانية قلّ نظيرها مع وصول أسطول الصمود العالمي لكسر الحصار عن غزة ورسوّه في بلادنا قبل مواصلة مسيرته نحو شواطئ الأرض المغتصبة.
وأسطول الصمود المغاربي ليس مجرد رحلة بحرية، بل هو مبادرة إنسانية تحمل رسائل عديدة. هو جزء من التحرك الدولي المعروف بـ”أسطول الصمود العالمي”، ويأتي امتدادا لمحاولات سابقة مثل “قافلة الصمود” التي تعثرت عند الحدود الليبية-المصرية. يهدف الأسطول إلى كسر الحصار المضروب على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، وفتح ممر رمزي يثبت أن إرادة الشعوب أقوى من القيود. كما يسعى إلى إيصال صوت الفلسطينيين إلى الرأي العام الدولي، والتأكيد على وحدة الصف المغاربي والعالمي في مواجهة سياسات الاحتلال الغاصب.
السفن الإسبانية تصل إلى سيدي بوسعيد
مساء الأحد 7 سبتمبر 2025، شهد ميناء سيدي بوسعيد حدثا استثنائيا مع وصول السفن الإسبانية ، وعلى متنها ناشطون من مختلف أنحاء العالم. من بينهم شخصيات بارزة في مجال العدالة المناخية وحقوق الإنسان مثل غريتا ثونبرغ وتياغو أفيلا وياسمين آجار. المشهد كان مهيبا : مئات التونسيين احتشدوا على الأرصفة ورمال الشاطئ ورفعوا الأعلام الفلسطينية والتونسية ورددوا هتافات الحرية لفلسطين، في استقبال جسّد عمق تغلغل القضية في وجدان التونسيين جيلا بعد جيل.

حادثة الطائرة المسيّرة: بين النفي الرسمي ورواية المنظمين
شهد ميناء سيدي بوسعيد فجر الثلاثاء أول حادثة مثيرة للجدل حين اندلع حريق جزئي في السفينة البرتغالية “Family Boat” التابعة لأسطول الصمود. المنظمون أكدوا أن سفينتهم كانت هدفا لهجوم بطائرة مسيّرة أسقطت جسما مشتعلا على السطح العلوي، ما تسبب في اشتعال النار قرب سترات النجاة ومخزن سفلي، ونشروا مقطع فيديو يوثّق ما وصفوه بـ”الاستهداف”. في المقابل، سارعت السلطات التونسية إلى نفي هذه الرواية، معتبرة أن الحريق ناجم عن أسباب داخلية بسيطة، قد تكون عقب سيجارة أو شرارة عرضية، وأن المعاينات الأولية لم تثبت وجود طائرة مسيّرة في الأجواء. وبينما أعربت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز عن قلقها إزاء الحادث ومتابعتها له مع السلطات، شدّد المنظمون على أن ما جرى لن يثنيهم عن استكمال رحلتهم نحو غزة.

ندوة صحفية بعد الاستهداف الثاني
عقدت هيئة تسيير أسطول الصمود العالمي صباح الثلاثاء، غداة الحادثة الثانية التي طالت إحدى سفنه الراسية قبالة ميناء سيدي بوسعيد شمال العاصمة تونس، ندوة صحفية لتسليط الضوء على هذه التطورات الخطيرة. حيث أكد عضو الهيئة غسان الهنيشري أن ما جرى لن يثني الأسطول عن مواصلة مساره والإبحار نحو غزة في الموعد المحدد، مشدّدا على أن المنظمين ماضون في مهمتهم الإنسانية رغم التهديدات والمخاطر. وأوضح الهنيشري خلال الندوة أن السلطات الأمنية التونسية التزمت الصمت بخصوص الحادثة، إذ لم تقدّم أية معلومات رسمية للمنظمين، معتبرا أن القضية باتت تُعامل بـ”صيغ سرية” مرتبطة بالأمن القومي. واعتبر أن هذا الغموض يزيد من إصرار المشاركين على المضي قدما نحو القطاع، بوصف مهمتهم جزءا من معركة رفع الحصار وإسناد الشعب الفلسطيني.
مساء يوم الأربعاء 10 سبتمبر، بدا ميناء سيدي بوسعيد وكأنه لوحة نابضة بالحياة، حيث رست سفن أسطول الصمود المغاربي والعالمي جنبا إلى جنب في انتظار ساعة الانطلاق نحو غزة. تحولت الأرصفة إلى ورشة تضامن كبرى، إذ انهمك المتطوعون في شحن المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية والطرود الإنسانية داخل السفن، فيما ارتفعت الأعلام الفلسطينية والتونسية لتغطي المشهد بألوانها. كان الحضور لافتا ومتنوعا: سياسيون ونواب برلمان، فنانون وممثلون، مؤثرون على شبكات التواصل، إلى جانب وفود جاءت من أكثر من 45 دولة تمثل مختلف الأديان والأعراق، كلهم تجمعوا على رسالة واحدة هي كسر الحصار ودعم الشعب الفلسطيني. وفي الخارج، احتشدت جموع غفيرة من التونسيين تردد الهتافات والأغاني الوطنية والقومية، لتصنع أجواء احتفالية تضامنية قلّ نظيرها. كان المشهد مؤثرا بشكل خاص لحظة اصطفاف المتطوعين في سلاسل بشرية لنقل المساعدات إلى السفن، في صورة جسدت الروح الجماعية لهذا المشروع الإنساني الكبير.
وفي مساء يوم أمس أصدرت وزارة الداخلية أفادت فيه بأن الإعتداء الذي حصل يوم الثلاثاء على مُستوى إحدى السّفن الرّاسية بميناء سيدي بُوسعيد هو إعتداء مُدبّر.أوتتولى مصالح وزارة الدّاخليّة إجراء كُل التحرّيات والأبحاث لكشف الحقائق كُلها حتى يطلع الرّأي العام لا في تُونس وحدها بل في العالم كُلّهُ على من خطط لهذا الإعتداء وعلى من تواطأ وعلى من تولى التنفيذ.

الطقس يؤجل الانطلاق
لكن الطقس كان له رأي آخر. فقد ساءت الأحوال الجوية يوم الأربعاء، وارتفعت سرعة الرياح بما جعل الإبحار محفوفا بالمخاطر. وهو ما اضطر المنظمين إلى الإعلان عن تأجيل جديد للرحلة إلى اليوم الخميس. ورغم خيبة الأمل التي أصابت الحاضرين، ظلّ التفاؤل حاضرا، إذ أكّد المشاركون أن العزيمة أقوى من أي عائق طبيعي، وأن هذه السفن ستبحر مهما طال الانتظار.
يظل أسطول الصمود المغاربي أكثر من مجرد رحلة بحرية. هو صرخة جماعية ضد الحصار، ورسالة تضامن من تونس ومنطقة المغرب الكبير إلى غزة، تقول للعالم إن الشعب الفلسطيني ليس وحده. وبين تحديات الطقس وضغوط السياسة، يبقى الأمل هو البوصلة التي تقود هذه السفن نحو هدفها الإنساني النبيل.
أميمة زرواني




