السينما عند المخرج قيس الماجري لا تستند إلى أحداث تُسرد وفق تسلسل خطّي يُطمئن المتفرّج إلى منطق مألوف، بل هي مواجهة مع اللا يقين، ومع الأسئلة المعلّقة في الوعي واللاوعي.
وفي تجربته الروائية الطويلة الأولى لا يمنحنا الماجري الطريق الواضحة لنتتبع الحكاية بل يضعنا في عتمة نُطلّ منها على ومضات نور ليجسد البرزخ بوصفه حالة وجودية ومنطقة رمادية لا هي موت ولا هي حياة.
“برزخ”، يفتح كُوّة على عوالم يتقاطع فيها النفسي والفلسفي والسريالي، في لغة بصرية وصوتية لا تركن إلى السهولة ولا إلى المباشرتية وتورط المشاهد في لعبة الغموض وتنحت فضاء متشظّيا.
وفيما تظل هذه الشظايا بين الواقع والخيال، بين الأرض والسماء، حيث تتشابك “الخرافات” مع الفلسفة الوجودية، يقف الفيلم على الحافة، بين النور والظلام، بين الخير والشر، بين ما يُرى وما يتوارى.
ومع تسرب الزمن الدرامي يوغل الفيلم أكثر فأكثر في الأبعاد النفسية والسوريالية لتتجلى الشخصيات غير متوازنة، مترددة ومهددة، وعالقة بين الحقيقي والخيالي وتقحم المشاهد في دوامة من التساؤلات.
حالة من الاغتراب تتشكل تباعا كلما تواترت الأحداث التي تراكمت حول “فرح” (فاطمة ناصر) التي تقف في مركز السرد منذ أن قررت العودة إلى مسقط رأسها حيث يعيش والدها “رشيد” (جمال المداني).
هذه العودة تحاكي السقوط في متاهة داخلية لا خلاص منها، خاصة وأن كل الشخصيات تعيش في دوائر مغلقة، تحاصرها الذاكرة، وتُثقلها الطقوس حتى بدت الأجساد تتحرك وكأنها تقاوم ثقلا غير مرئي.
هي ليست مجرد انتقال مكاني من العاصمة إلى مدينة بلا اسم، بل هي انغماس في عمق الذات، رجوع إلى الداخل، وهو ما يفسر عدم منح المكان اسما محددا، وكأنّ الفيلم ينزاح عن الجغرافيا الواقعية إلى فضاء نفسيّ متحرّر من الحدود.
فرح لا تنطق كثيرا، لكنها تحمل في وجهها، وارتعاشة نظرتها، وثقل خطواتها، كل ما يعجز المنطوق عن قوله لتكشف ملامح وجهها عن هشاشة روحها وتتواطأ عيناها والمؤثرات السمعية والبصرية لتخلق هالة من الغموض.
هي ليست شخصية درامية بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى استعارة يفصح عنها اسمها الذي يستمد جذوره من الضفة الأخرى المواجهة للأسى، ولكنها لا تستعير من اسمها ملامح الفرح لتبدو محمّلة بارتباك داخلي، تسير كمن يحمل أثقال الذاكرة فوق كتفيه.
في أغلب اللقطات تفيض تفاصيلها بالصمت، في لقطة قريبة، تُحدّق طويلا في الفراغ، كأنها تبحث عن شيء لا وجود له وفي لقطة أخرى، تتحرك ببطء في فضاء مغلق، كأنّ الكادر نفسه يضيّق عليها الخناق.
هي “حالة” تنقل لنا هشاشة الوجود الإنساني أمام قوى الشر والظلام التي يقف عندها “سيدي الشيخ” أو “المختار” (محمد السياري) الوجه المظلم للمعادلة والشخصية التي تتغذّى من الرهبة.
هذه الشخصية تراكم الارتباك لما تمثله من سلطة ما ورائية متوارية ولرهبة الطقس الذي يلتف حولها: السحر، والدم، والحفر في الأرض، ليغدو لقاؤها مع “فرح” مواجهة بين نور هشّ وظلام متجذّر.
وبينما تتكرر مشاهد الحفر في الأرض، والدماء التي تتسرب، والأجساد التي تتحرك في فضاءات بلا منطق، تتشكل سردية لا تخضع للزمن الواقعي ويقحم المخرج قيس الماجري المتفرج في عالم سوريالي تختلط فيه الأحلام بالكوابيس.
هذا الانزياح نحو السوريالية يحرر الفيلم من البناء الدرامي التقليدي فلا نسأل عمّا حدث أولا وما سيحدث لاحقا، بل نغرق في لحظة مشهدية متدفقة، وكأنها شذرات من لاوعينا الخاص.
وفي أحد أوجهه يصوّر “برزخ” رحلة في متاهات النفس البشرية، إذ تظهر الشخصيات محاصرة بذاكرتها وبماضيها، غير قادرة على القطع معه أو تجاوزه و”فرح” على وجه الخصوص تحمل ثقل الاغتراب عن المكان وعن الذات.
وعبر أداء غير لفظي مكثّف، يتبدّى قلق دفين يأسر المشاهد في دوامة الحكي الذي يستمد ملامحه من “فرح” التي لا تبحث عن الخلاص بقدر ما تعيش التيه كحالة وجودية وتعكس في أمائر وجهها أسئلة معلقة عن الانتماء إلى المكان وعما إذا كان قدرا أم عبءا وعما إذا كانت العودة إلى الجذور مصدر للسكينة أم نخرا في الجراح القديمة.
من أين جئنا؟ ولماذا وُجدنا؟ وهل ينتصر الخير حقًا؟ تتواتر الأسئلة في فضاء معلّق شكله السيناريو الذي كتبه كريم العموري وتتحرك الشخصيات في اضطراب، لا تعيش أحداثا متعاقبة بل تحفر في الوجود فيما تنهمر كلمات منظومة بشاعرية مُسكِرة عن الخلق، عن الميلاد، عن الحياة والموت لتشكّل البعد الفلسفي للفيلم.
والسيناريو في “برزخ” لا يقوم على الحبكة التقليدية بقدر ما يعتمد على التجزئة والتشظي يمنح المشاهد خيوطا متشابكة ويترك له مساحات لينسج المعنى بنفسه، على إيقاع بناء يراهن على الغموض والرمزية الذين خلقا قوة تعبيرية، لكنها في الآن ذاته تُعرض عن وضوح درامي كان يمكن أن يقرّب المتلقي أكثر من شخوصه.
كتابة تقصد أن تكون غامضة تشكل مساحة من التأمل يقترحها الفيلم الذي يولّد الأسئلة ولا يقدم أي جواب ويتراءى “البرزخ” حالة ذهنية وفضاء متداخلا بين الواقع والمتخيّل، بين ما نراه وما نشعر به، بين ما يحدث فعلا وما قد يكون مجرّد وهم.
الدم الذي يتكرّر كرمز، المشاهد المغلقة التي تحاصر الشخصيات، والكادرات التي تنزاح عن الواقعية لتدخل في الحلم، جميعها تحوّل الفيلم إلى تجربة بصرية تلامس الحلم أكثر من اليقظة.
والكادرات مفصلية في صياغة المعنى، فحين تنفتح على الفضاءات الواسعة تمنح إحساسا بالتحرر، وبالقدرة على التنفس ولحظات نادرة من الانعتاق، لكنها انعتاقات مؤقتة لا تدوم، وحين تنغلق تكرّس الشعور بالاختناق وتفرض عزلة تجعل الشخصيات أقرب إلى أسرى داخل فضاء مغلق.
واللقطات القريبة على الوجوه والأيدي ؛ عين تحدّق، يد ترتجف، قطرات دم تتساقط، تتجاوز التفاصيل التقنية لتحيل إلى التقاطعات مع النفس، وتدعو المشاهد إلى الاقتراب من الداخل لتُعيد توجيه انتباهه إلى الرمزية أكثر من الحدث.
الإضاءة في “برزخ” تقوم على التوتر بين الضوء والعتمة كما لو أنّهما صورة مكثفة للتوتر الوجودي بين الأمل واليأس وانعكاس لتعاقب الشروق والغروب، وأما التباين بين الضوء والظلال فيحوّل الشاشة إلى ساحة صراع بصري، يجعل النور نفسه هشًّا، والظلام كثيفًا، وكأنّ العالم بأسره على شفا الانهيار.
وبالصوت شكل المخرج قيس الماجري “برزخًا سمعيًا” موازيًا للبرزخ البصري، فضاء معلّق بين الصخب والفراغ، بين الامتلاء والغياب حيث يترك الصمت فجوة يملؤها المشاهد بتأويلاته الخاصة وتمثل الهمسات والتراتيل والأصوات الطبيعية (خطوات، ارتطام، صدى) شظايا صوتية تُكثّف الإحساس باللازمنية.
وبالنسبة للأداء التمثيلي فهو قائم على الجسد أكثر من الحوار الذي يشكو من ضعف في بعض المواضع، إذ تتماهى أجساد الممثلين مع الأبعاد النفسية والسوريالية للفيلم لينشأ أداء تعبيري كثيف يجعل من كل حركة جسدية علامة على قلق ما.
وفيما تؤدي فاطمة ناصر “فرح” بوجه متردّد، وعينين تفيضان أسئلة، وجسد يتقدّم ويتراجع في الوقت نفسه، يتمركز الشيخ/المختار كجسد صلب وثقيل، يفرض وجوده كظلّ دائم يتحكم محمد السياري جيدا في سكناته وحركاته.
أما جمال المداني فيخاتل الكامرا ويلاعب الحقيقة والوهم بأداء طوع كل تعبيراته وإيماءاته وانفعالاته ليتقمص “رشيد” الذي يصارع هواجس الماضي وقلق الحاضر ومخاوف المستقبل.
في الأثناء يقف “مراد” في مفترق طرق بين الواقع والخيال ويستدعي أسامة كوشكار الذي يتقمصه ثقل كل الأزمنة ويوشح بها ملامحه المرهقة بابتسامة مبهمة تقفز على شفتيه على أعتاب وهم يريد أن يلبسه الحقيقة غصبا.
وأما نور بالطيب، في أول تجربة لها، تبدو كأنّها الوجه الآخر لأسئلة الميلاد والخلق التي يطرحها الفيلم، بانفعالاتها وتفاعلاتها مع الشخصيات الأخرى وقدرته على المرور بسلاسة من حالة إلى أخرى.
أبعاد متمايزة، بين الواقعية والرمزية، بين الأداء الصامت والكلمات القليلة يضفيها كل الممثلين بما فيهم خلود الجليدي، ووليد الذيبي، وعاطف الجلاصي ويضيفون ملامح مختلفة للبرزخ، لكن دون أن يسحبوا البساط من الصراع الأساسي، نور مقابل ظلام.
بناء على كل ما سبق لا يمكن فهم “برزخ” دفعة واحدة لأنه ليس فيلما يروي قصة وفق نسق خطي واضح بل رحلة بين الصور والأصوات، بين الفلسفة والسريالية، بين النفسي والميتافيزيقي.
هو فيلم لا اطمئنان فيه ولا وضوح، يراهن على القلق والغموض ويتخطى الحكاية إلى التجربة فهو يضع المشاهد وجها لوجه مع البرزخ الذي يحمله كل إنسان في داخله، تلك المنطقة الوسطى بين الضوء الذي يعد بالخلاص والظلام الذي يحيل إلى الهاوية.