ليست المرة الأولى التي تحتفي فيها المهرجانات بالخبير انتشال التميمي ولكن هذه المرة يتخذ الاحتفاء أبعادا مختلفة تستمد خصوصيتها من الظرفية المكانية والزمانية، إذ تحتضنه مدينة السلام والعدل لاهاي فيما يعيد العالم تشكيل ملامحه على وقع الإبادة في غزة.
في قاعة غصت بالاعتراف والعرفان لمسيرة تتقاطع فيها مسارات المهرجانات على مر السنين، اعتلى التميمي الركح ليتسلّم “جائزة لاهاي للسينما” في افتتاح الدورة السادسة من مهرجان هولندا لأفلام الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
كل تفاصيل الافتتاح المهرجان بدت مختلفة في حضرة الرجل الذي حمل السينما في قلبه، لم يكن المشهد مجرد احتفاء عاب بل كان اعترافاً بجيل كامل رأى أن الفن السابع يتعدى المتعة البصرية ليشكل جسرًا للحرية وذاكرة للمنفى ومرآة للكرامة الإنسانية.
في لحظات تكريم تختزل عمرا، حضرت زوجته فادية سامي وابنه الوحيد هادي والأصدقاء مارسيل خليفة بصوته الذي امتزج بالشعر والموسيقى، إبراهيم العريس الناقد الذي خبر أجيال السينما، وأندرو محسن الذي تقاطع معه في سبل مختلفة.
شهادات مزاجها من محبة ووفاء رتلوها لتلتقي عند صورة واحدة يتجلى فيها انتشال التميمي، الرجل الذي جعل من المهرجانات منصات إنسانية قبل أن تكون منصات فنية.
هو ابن العراق الذي لا يعترف بالحدود الضيقة، إذ كان يبحث دوما عن طرق لتمكين السينما العربية من أن تصل إلى المنصات العالمية، في كل محطة مرّ بها، سواء في مهرجانات عربية أو أوروبية.
خبرته الطويلة في المهرجانات لم تأتِ من فراغ، بل من سنوات قضاها في متابعة تفاصيلها وتوسيع شبكة العلاقات ليرسّخ اسمه في الذاكرة لتبرز فلسفته بوضوح: التنظيم الصارم، والتفاصيل الدقيقة، والإيمان العميق بأن دعم صناع الأفلام أساس نجاح المهرجان.
وفي لحظة عرفان قال المنتج محمد حفظي إنه تعلم منه الكثير، وهو ما ساعده في إدارة مهرجان القاهرة قبل سنوات، مؤكداً أنه “منظم وملم بكل الأمور والتفاصيل، وبعيد عن أنانية الاستحواذ على الأفلام لصالح المهرجان الذي يعمل به، إذ يسعى لمساعدة صانعي الأفلام في عرض أعمالهم في مهرجانات أخرى، وهو داعم ومحب للجميع.”
الرجل الذي يراكم الفني والإنساني في مسيرته لا ينظر إلى السينما كترف بل يعتبرها مسارات يتشابك فيها الإنساني وذاكرة تحفظ قصص المهمشين في عالم ممزق بالحروب والمنفى ليأتي تكريمه في مدينة اقترنت بالعدالة.
وحينما تحدث رئيس المهرجان مصطفى بربوش عن إيمانه بأن السينما أكبر من كونها فنًا، وأنها مرآة للواقع وصوت يحفظ القصص والاهتمام الخاص بالشباب، من خلال منحهم فرصة الحوار عبر السينما والتعبير عن أنفسهم بطريقة إبداعية، انغمس في عمق فلسفة انتشال التميمي.
ولم يكن الاحتفاء محصورًا بالسينما وحدها، فالرسام علي المنزلاوي والنحات قاسم السعيدي قدّما أعمالًا فنية خاصة بالمناسبة ليتحد الفن التشكيلي والنحت في تكريمه وهو الذي تبوأ مكانة في قلب السينما نفسها في التسجيلي الذي وثق مسيرته.
ومن ثم تصدح الكلمات التي قالها مارسيل خليفة في الحفل ليضفي مسحة إنسانية وشاعرية حين تساءل “هل من مكان اليوم للسينما وللشعر وللموسيقى وسط هذا المشهد المرعب من الدمار، وبعد كل الجرحى والشهداء واللاجئين؟”
“إن كل حلم وكل قصيدة وكل نوتة موسيقية وكل فيلم هو شمس تعيد لنا الحب والكرامة والحرية، وتشعرنا بالانتصار على الموت، وتدفعنا لنقول إن هناك أملا في هذا الزمن”، حينما لفظ هذه الكلمات التقى مع رؤية انتشال التميمي.
وحينما وجه التحية إلى غزة والضفة والجنوب ولبنان وردد كلمات أغنيته “منتصب القامة أمشي”، تجاوز التكريم اللحظة فردية إلى الذاكرة الجماعية ليقول إن الفنون بمختلف تجلياتها قادرة على إعادة صياغة الأمل.
ويبقى انتشال التميمي خبير المهرجانات الذي يترك الأثر حيثما مر، وذاكرة حيّة للسينما العربية، والشاهد على تحوّلاتها، على معاركها مع النسيان والتهميش، وعلى محاولاتها الدؤوبة لتكون جزءا من المشهد العالمي دون أن تفقد هويتها.
يذكر أن افتتاح الدورة السادسة لمهرجان هولندا لأفلام الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد شهد عرض الفيلم الوثائقي “ناجي العلي” للمخرج قاسم عبد، وهو العمل الذي يتتبع المسيرة الحياتية والفنية لرسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، منذ ولادته في منطقة الجليل وحتى اغتياله على يد مجهول في لندن في جويلية عام 1987.
ويتطرق الوثائقي إلى كل الظروف التي شكّلت شخصية ناجي العلي الفنية، وهو الذي واجه خلال حياته العديد من التحديات والمصاعب مثل المضايقات والحصار والتهجير والمنفى والإرهاب، ويبرز كيف أصبحت تجاربه وأعماله الفنية مرآة تعكس معاناة ملايين الفلسطينيين في الشتات.
ويهدف مهرجان هولندا لأفلام الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (Holland MENA Film Festival) إلى الاحتفاء بأصوات وإبداعات سينمائيي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما في ذلك إبداعات أبناء الشتات العربي والمغاربي في أوروبا، وذلك من خلال عروض الأفلام والنقاشات وورش العمل، ساعيًا إلى فتح نوافذ جديدة للحوار حول قضايا الهوية والحرية والمنفى والعدالة والتنوع الثقافي.
كما يسعى المهرجان إلى عرض أفلام سينمائية مستقلة تعبّر عن واقع المنطقة بعيداً عن الصور النمطية، وتمكين صناع الأفلام من خلق حوار حي بين الثقافات من خلال فن السينما، وبالاعتماد على اتفاقيات دولية مثل اتفاقية اليونسكو لعام 2005، والدعم الهولندي الثابت للتعددية الثقافية وحرية التعبير.
ويعمل على تقديم أفلام من المنطقة تلامس قضايا معاصرة، وربط صُنّاع الأفلام بشبكات الإنتاج والتوزيع الأوروبية، وخلق مساحات للحوار والنقد مع الجمهور، إضافة إلى إشراك المؤسسات الثقافية والتعليمية لدعم جيل جديد من المبدعين.
وتضم لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة كلاً من، المخرجة الأفلام الوثائقية الهولندية سونيا هيرمان دولز، والشاعر والمخرج السعودي أحمد الملا والناقد العراقي قيس قاسم.
أما لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة، فتضم كل من المخرج العراقي المخرج قاسم عبد والمخرج والمنتج حنا عطا الله مؤسس منظمة فيلم لاب: فلسطين، والكاتبة الهولندية المغربية شافينا بن دحمان.
وكانت المديرة الفنية للمهرجان وفاء مراس قد كشفت عن الأفلام المشاركة في المهرجان، وهى كالتالي :
مسابقة الأفلام الروائية الطويلة
هوبال | عبد العزيز الشلاحي | السعودية
أناشيد آدم | عدي رشيد | العراق
إلى أرض مجهولة | مهدي فليفل | فلسطين
سيرة أهل الضي | كريم الشناوي | مصر
196 متر | شكيب بندياب | الجزائر
الجرح | سلوى الكوني | المغرب
مسابقة الأفلام القصيرة
برتقالة من يافا | محمد المغني | فلسطين
فزاعات المنطقة الحمراء | جلال الدين فايز | تونس
انصراف | جوهر العامري | السعودية
أبو جودي | عادل أحمد يحيى | مصر
مد وجزر | ناي طبارة | لبنان
سلام سينما | زكرياء البقالي | بلجيكا
غميضة | رامي عباس | فلسطين
فجر كل يوم | أمير يوسف | مصر
أطفال البرزخ | أحمد خطاب | الإمارات
جهنمية | ياسر فايز | السودان
آخر واحد | كريم رحباني | لبنان
جوز | محمود يحيى الشيخ | البحرين