مفيدة خليل-الكتابة فعل تحرر ومحاولة للتشافي وبين دفاتر الورق والكتب توجد افضل العلاجات لكل الامراض النفسية والجسدية والمكتبات قطع من الجنة يدخلها الانسان مرهقا مثقلا بالوجع والرفض يتطهر داخلها ليخرج منها انسان حرّا وحيّا وقادرا على صناعة الحلم والأمل.
الى عوالم الوجع والكتابة وقدرتها على الشفاء يحمل صلاح بن عياد قراءه من اليافعين في كتابه الجديد “أحدب الحلفاوين” الصادر عن دار أركاديا للنشر والتوزيع في طبعة اولى صدرت جويلية 2025، جاء الكتاب في 90صفحة صدّرها كاتبها ببيتي شعر للشاعر التونسي الايطالي ماريو سكاليزي: أرمي لكم بجواهري النفيسة، آه يا اخوتي الذين لعنتموني.
بمداد الوجع يصرخ الكاتب ضدّ الرفض والنبذ
الكتابة ولادة متجددة، الكتابة بوح بما يخفيه القلب من وجع والجسد من تشوّهات، أمام مرآة التشوه والظلمة يضع صلاح بن عياد قراءه، يدفعهم للتعري من كلّ زيف، مع تتبع فصول الرواية وحكاية الشخصية الرئيسية سنكتشف ان جميعنا مشوّهين، لكل منّا وجعه الخاص والحقيقي من يستطيع اكتشاف علّته لعلاجها قبل أن تصبح “حُدبة” ترهق القلب والفكر معا.
“أحدب الحلفاوين” عنوان المتن الروائي، العنوان صفة لشخص حقيقي هو الشاعر ماريو سكاليزي (1892/1922) ذاك الشاعر الطفل الذي لفظه مجتمعه فقط لانّه يحمل حدبة على ظهره، اختلافه جعله ملفوظا ومرفوضا من أترابه فحوّل وجعه الى “قصائد ملعونة”، هاهو يصف نفسه ويقول “شريدا وملعونا عشت لان ذلك ما أرادوه لي منذ أن انزلقت رجلي في ظلام مدارج العمارة رقم31″ ، و”ماريو” سيكون شخصية حاضرة في صناعة الأحداث التي سيعيشها الطفل “ايوب الرقيق” الشخصية الرئيسية للحكاية “هم لا يعبئون بجسمي النحيل، جسم طفل انقطع عن الدراسة قبل الأوان ظلما لان أحدا لم يعنيه الاستماع الى مجرّد طفل”، ورغم اختلاف الزمن وأحداث القصة لكنهما يتشاركان في ثقل “حدبة” الرفض.
المكان في الرواية أمكنة، أبرزها الغرفة السرية في العمارة رقم 31شارع باب سويقة، تلك الغرفة المليئة بالحكايات ستفتح نوافذها وأبوابها لكل المنهكين من وجع المجتمع تنصت لهم وتسكنهم بالطمأنينة، السوق المركزية بالعاصمة، مكتبة الدباغين وقرية ميم وساحتي باب سويقة والحلفاوين، فضاءات حقيقية يعرفها القارئ التونسي، هذه الامكنة (باستثناء قرية ميم) جميعها خبرتها أقدام الشخصية الحقيقية ماريو سكاليزي وعلى خطاه مشت الشخصية المتخيلة ايوب الرقيق، فبين الخيال المتناص مع الحقيقة كتب صلاح بن عياد شخصياته واوجاعهم.
الزمان كذلك متغيّر، فالاحداث تارة تحدث في العصر الحالي زمن الطفل “ايوب الرقيق” وطورا تعود الى القرن 19 زمن ماريو سكاليزي،وبين “ماريو” و”ايوب” شبه كبير فكلاهما عانى الرفض وكلاهما عمل حمّالا يجر عربة اثقل من عمره وجسده، ومرات تعود الاحداث الى “الازل” غير المحدد زمن الطفلة نور او البلسم المرافق لكل طفل هشّ ويعاني من “حدبة” في القلب، تحفزه ليحيا “ليس معنى ان يكون المجتمع لفظك انّك فاشل، سيكون عليك ان تقرّر وانت على النافذة المفتوحة على المجتمع النجاح، النجاح معناه ان ينتصر الانسان الهش في داخلك”.
اهربوا الى الكتب ففيها النجاة
الهشاشة هي ما يشفع لهذا العالم لأنها الجمال الحقيقي، لانها الانسانية ذاتها، لذلك لا تخسرها في زحمة سوقك القاسية هذه هكذا نصح “الحبيب الشاعر الطفل “ايوب” ليتجاوز ثقل حمولة “الديابلو” اليومية، فبطل الحكاية طفل في الثانية عشرة من عمره يدفع ثمن خطئ لم يرتكبه، طفل يعمل حمّالا ويحمل الأثقال فقط لاّن معلّمه قزّمه امام اترابه، فكره الطفل الدرس والقرية، “ايوب” الشخصية المحورية وصانعة الحكاية هي انموذج عن اطفال كثر في هذا العالم، اطفالا ولدوا على الهامش، ظلمتهم الجغرافيا، ثم قست عليهم الحياة ولكن قلوبهم بقيت نقية وحيّة وتنبض بالانسانية.
الطفل ايّوب يدفع امامه الوجع، ثقل “الديابلو” وصوت أزيز العجلات على الإسفلت والظهر المنحي جعله يتعلم لغة الأقدام يفهم شخصيات أصحابها، أيوب يوجد فينا، هو ابن الهامش والفقر والوجع، طفل “تحالفت كل الاحداث ضدّه حتى يكبر قبل الاوان”، وما “قرية ميم” التي ينحدر منها الا تعميق لفكرة الوجع والظلم المسلط على الانسان باسم المكان “نحن في قرية ميم لاذعون، لك أن تقول إننا أحياء كما ل كان تقول إننا أموات، لا دليل على حياتنا عدا النفس الطالع الهابط في أجسامنا المتدافعة على كل شيء”.
الرواية تفتح نوافذها على الأطفال، تجبر القارئ ليتمعن جيدا حوله في ممارسته تجاه الأطفال، هل يحترم هشاشتهم؟ هل ينصت لأنينهم؟ هل يساعدهم ليصبحوا أفضل؟ أسئلة تراود القارئ الذي يورطهم صلاح بن عياد في الحكاية، النص مليء بالوجع، يضع أمامنا شخصيات حقيقية عاشت الرفض فقط بسبب الاختلاف، من ماريو سكاليزي التونسي المولد الى الأب اوجينيو وابو القاسم الشابي والطاهر الحداد لكل منهم حدبته الخاصة ووجعه بسبب مجتمعه وأفكاره واختلافه وكلهم دفعوا ثمن الهشاشة والإنسانية باهضا جدا.
“احدب الحلفاوين” نص روائي يدافع عن حق الطفل في طفولته، يشرع ابواب النقد ضد المنظومة المجتمعية والتربوية والاخلاقية التي ترفض المختلف وتحاول كتم انفاس الحقيقة داخله، نص كتب بوجع ليقرئ بالكثير من الالم، فالرواية تتناص مع الواقع في الم الطفولة المسروقة، بطل القصة يهرب الى المكتبة بحثا عن بعض الطمانينة تماما كما هرب قبله ماريو سكاليزي الى الكتب لينسى حدبته “في هذه المكتبة قضيت أعواما مندسا بين الدفاتر والكتب ودسست بين رفوفها تشوّهي الجسديّ والنفسيّ، وحدها الكتب تخاطب عقلك، على قدر جوع عقلك تعطيك، انها ما تنسيك حدبتك وتشوّهك وكلّ عيوبك…كثر هم اللذين التجأوا للكتابة فرارا من قساوة المجتمعات الانسانية وكتبوا انتصارا لما في داخلهم من هشاشة بشرية”.
“احدب الحلفاوين” نص روائي يدافع عن الانسانية والطفولة المسروقة، نص يبحث عن وجوه القبح في البشرية ويحاول تغييرها ببعض الوان الامل، نص موجع ومربك في الوقت ذاته، عبره تتفتح جراح الذاكرة للرحيل بعيدا ومجالسة عظماء هذا الوطن منهم”الطاهر الحداد ذلك الرجل الذي كان يحمل حدبة تفوق ما نحمل جميعنا” ، تونسيين احبوا كل تفاصيل البلد رغم اللفظ والظلمة، الى كل عظماء تونس السابقين واللاحقين حبّر صلاح بن عياد نصا ينتصر فقط للهشاشة، للحقيقة.