بقلم رانيا الحـمّـامي
الإهداء
إلى الباحثين على النور وسط الظلام،
إلى زارعي الحب أينما مرّوا،
إلى رعاة السلام في كل مكان،
إلى باعثي الحياة في فاقدي الأمل،
إلى أصحاب العزائم والإرادة،
إلى محاربي الوهن والضعف،
إلى كل من يرفض أن تهدمه الهزائم،
إلى من قرّر الحياة.
مُغطَّى الرأس وأغلب الجَسد، يَصعد المُريد إلى المركبة الفضائية. تَدافع سُكَّان تاجوت لرُؤية دُخوله. وَقف الشيوخ الخمسة وإيحا في الصَّف الأوَّل من الزِّحام ووَقف مُريدو بيبو بَعيدا جدًّا يُراقِبون عن بُعدٍ وبحذرٍ شديدٍ ما يَحدث.
فجأة يَتصاعد في الجو – عبر فتحة صغيرة في الصحن – غازٌ كريهُ الرَّائحة، خَانق جدا، أخْضر اللَّون. تَراجع الجَميعُ مُبْتَعِدين عن الصحن العِملاق وهم يَسعلون بشدَّة.
يَنطلِق صَوت آلي قوي بقول :
لقد إنْتهى بيبو. حوَّلْناه إلى غاز تبخَّر في الفضاء. وكان هذا ما سَيكون مَصيرُكم جميعا إن لم يأتِ ويُقدِّم نَفْسَه إليْنا طواعِيَّةً ويُنْقذكم من نِهاية مؤلمة. الآن، على سَاكن القَرْية الذي أتَى مَرْكبتنا ذات يوم أن يَفي بوعدِه كما وفيْنا بِشرطِه. نُمهِلْه مساء الغد.
لم يَتوقَّف الصوْت الآلي على تَرْديد نفْس الجُمْلة إلى أن أصْبحَت السَّاحة المُحيطة بالصحن العِمْلاق فارغةً بعد أن كانت شَديدة الإزْدِحام يَتَدافَع فيها عَددٌ كبيرٌ من سكان القرية. عادُوا جَميعهم إلى بُيوتِهم بين باكٍ ومتحسِّرٍ وفرحٍ ومَرْعوبٍ ومَذْهولٍ ومُفكِّرٍ في المُسْتَقبل الذي ستَعيشه القرية بعْد هذه الأحْداث.
و إن قُدِّرت السَّعادة بميزان ، فسَعادَة إيحا تُعادِل سعادَة كل من فرِح من أهل تاجوت بنِهاية بيبو أو ربما تَفُوتهم.
لم يفوِّت أحد الشيوخ الخمسة الفُرصة وإسْتَدْعى إيحا للعشاء عندهم في المنزل الذي آواه في مِحْنتِه.
عند العشاء، إجْتمع الشيوخ الخمسة وإيحا على الطاولة الكبيرة المُزيَّنة بمَنْحوتاتٍ ذهبيَّةٍ لا مثيل لها في كل تاجوت – كأن من نحتَها ليس بشرا – تبدو نازلةً من السَّماء أو جُلبت من عالم آخر لا يمْتلك مِثْلها في كامل القريةِ أحد.
أحد الشيوخ: إن ما قام به الفَضائيون عملٌ خارقٌ، لم نقدر عليه طيلة هذه العقود. لقد خلَّصوا تاجوت وخلَّصونا من “بيبو” وأصبح كل فردٍ حرٍّ لا يَحتاج لمعلّمٍ يُريه طَريقَه ففِطْرته كافية لتُرشِدَه كيْف يَحْيَى رِحْلَتَه على الأرض.
شيخ آخر: عليْنا شُكر الفضائيين لما قدَّموه لنا. لماذا لا نَذْهب إليهم ونعبِّر لهم عن إمْتِنَانِنَا.
شيخ آخر: إن أول المُمْتنِّين هو إيحا، أليس كذلك يا إيحا؟
إيحا: لا يشك إثنان في ذلك.
أحد الشيوخ: فلتَذهب معنا إذا إليهم، وسنُقدِّم لهم هدية، أحدُ هذه المنحوتات. ما رأيك يا إيحا؟
إيحا: هل مَركبتهم مُؤمنَّة إذا ذهَبْنا إليهم؟
أحد الشيوخ: أكيد، لقد تحدَّثوا عن أحد السُّكان الذي ذهب لزِيارتِهم.
إيحا: أعيَاني التفكير في من يكون؟ الواضح أنه أشْترط عليهم التخلص من بيبو مُقابل شيء ما لا نَعلمه. من يكون هذا الذي يكنُّ كرْهًا لبيبو أكثر مني.
لو كنتُ أعلمُ من هو لكان لديْنا حليفا آخر عند مِحْنَتِنا لربَّما كان قد قام بما فشلت ميسا في القِيام به.
أحد الشيوخ: ألم يكن أخوكَ في الحراسة ألم يتفطَّن إلى دُخولِه المَرْكبة أحد؟
إيحا: بلى، بل أخي من سهَّل عليْه إختِراق الحِراسة مُقابل تَمكينِه من رُؤيتي. لكنه في ظلام الليل لم يعرِف من هو. لو كان وجها مألوفا لدى أخي لعَرَفَه، لكن أخبرني أنه مُسِّنٌ.
أحد الشيوخ بنَبرة إسْتغراب شديدة: رُؤيَتك؟ أكنت تَتواصَلُ مع أحدٍ غيْرَنا عندما كُنت مُختبِئا هنا.
إيحا: طبعا لا. وهو ما زَاد إسْتغرابي. لكن لم يَعد يهمُّ كل هذا بعد إِبادة بيبو.
أحد الشيوخ: إسْتعد إذًا يا إيحا. هؤلاء الفضائيون أهْدَوْك حُرِّيتَك المَسلوبة وإنْتقموا لك من بيبو.
إيحا: بقي الإنْتقامُ من الخائِنة ميسا. لكن سيكون ذلك بعد شكرِ الفضائيين والإمْتنان لهم. حدِّدوا موعدًا وسأكون حاضرًا.
*****
سالي: إشْتقتُ إليك. كم هي طويلةٌ وقاسية أيام في غيابك.
بيبو: لقد مرَّت أيام صعبة لكنها لم تنته بعد ما لم نُدرك لماذا جاء هؤلاء الفضائيون.
سالي: جاؤوا لقَتْلِك وكان لهم ذلك.
بيبو: بل لِحاجة ما كان ثَمنُها رأسي.
سالي : الأهم أنك هنا الآن.
بيبو: الغريب أنهم لم يُغادِروا مَركبتهم ولا نَعرف عَددهم ولا شَكلهم ولا ما يَحْتَويه ذلك الصحن.
سالي: لا أعْتقدُ أن أحدًا يُمكنُهُ إخْتراقُهم، إلا إذا أرْسلنا أحد مُريدينا بتِعلّة ما فيأتينا بالتفاصيل.
يعمُّ المكان صُراخٌ ٱتٍ من الغُرفة المُجاورة.
بيبو: لم يكُفَّ عن الصراخ منذ أن حطَّ الصحن العِملاق في القرية. لم يَكن سهلا علي تمْضِية كل هذه المدَّة بجواره في المَخبأ السرِّي.
سالي ماسحةً دُموعَها: يتقطَّعُ قلبي عندما أسْمع الصراخ.
بيبو: هل أوصيْت ميسا أن لا تزورَنا مهما كانت الأسباب وأن تبقى في القرية بين أفراد عائلتها.
سالي: أقْتنعوا أنَّنا تركنا المقام لمكان غير معلومٍ
و أن إقْتراب أي أحدٍ من المقام ستَكون نَتائجُه وخيمةً على الجميع. وإن تعاليمك ستَصِلُهم في الوقت المُناسِبِ أيْنَما كانوا.
بيبو: هذا الوَضع لا يُمكنه الاسْتمرارُ طويلا. علينا التَّخمين في حُلول تكْفينا شرَّ الفضائيين وتعودُ بهم إلى كوكبِهم.
سالي: لو نَعرف من قابَلهم من سُكان تاجوت وبماذا تحدَّثوا إليه وماذا وَعدهُم؟ لن يَكون من مُريدينا، و بما أنهم وَعدوه بحَتْفِكَ فهو واحدٌ من ألد خُصومك.
بيبو: لا خُصوم لدي.
سالي: ذلك الظَّاهر وإلا لما حدث ما حدث. أعْتقِد أنه إيحا أو ربما الشيوخ الخمسة.
بيبو: لقد أدْرَك الشيوخ الخمسة ضُعفَهم وتَفاهة ما حمَلوه معهم قبل الإنفجار الكبير مُقابل ما حملْته معي، فأسْتسلموا وأدركوا أنهم غيْر قادرين فِعليًّا على إدارة شُؤون القرية وتنْظيمها وانتهت عداوتُهم لي. ثم أننا لا نختَلِفُ في جوهر ما نَسْعى إليه، فلا أعتقد أنهم يرْغبون في حتفي.
سالي: إذًا فهو إيحا.
بيبو: سيَنْكَشِفُ أمرُ الخائنِ قريبًا. فقط علي الذَّهاب الى تاجوت مساءا مُتنكرًا لأعرِف الأخبارَ الجديدة.
*****
الشيخ: إن إيحا مُمْتن لكم أشدَّ الإمْتنان لأنكم خلَّصْتُموه من قاتلِ أمِّه. وإنه يَعتبِر نفْسه ابْنًا لكم وهو طوْعُ إشَارتِكم.
يَنظر إيحا إلى كل ما حَوْله ولا يفْقَه شيْئا، وهو لا يَعلم أن الشيخ يُقدِّمه هدية وَعد بها.
صوت ٱلي صادرٌ من أحد الفضائيين : هذا الكائنُ ليس إبننا. إنه يُشْبهُكُم ولا يوجد في تَركيبته أي عُنْصرٍ من عناصِرِنا. حتى ٱلاتنا المُخصصَّة للتعرُّف عليه بالمَركبة تُؤكِّد أنه ليْس ما نبْحَثُ عنه.
الشيخ : ربَّما أصاب ٱلاتكم العطب والتلفُ لتواجُدِها على سَطْحِ الأرْض.
الفضائي: حسب ما أرْسلنَاه لكوكب الأرض من جِيناتٍ قبل الإنفجار الكبير، فإبْنُنَا يحمِل عيْنا واحدةً كبيرة تُغطِّي جِبْهتَه، لوْنه يَقترب إلى الخُضرة منْه إلى الصفْرة التي تُغطِّيكم، جِسمُه يشِّع في الظَّلام ، له أجْنحةٌ أما ساقاه فهما تُشبِهان عجلاتٍ يُمْكنُه التَّنقل بها في وقتٍ قِياسي.
الشيخ مذهولا : لا يُوجَد في تاجوت أحد بمثل هذه المُواصفات.
الفضائي: لم تفِ بوَعدك ولم تَأتنا بابننا وتُواصل الكذِبَ مُنكرًا وُجودَ أحدٍ بهذه المواصفات؟ هي نِهايتك ونهايةُ من أتيت به معك لخِدَاعنا.
يُحاول الشيخ مَرتَعِبًا الدِّفاع عن نفسه فيَهْذي بكلماتٍ يُغطِّيها صَوت ٱلةٍ في نفس طوله تَقِفُ أمام إيحا تُخرِج غازا يحوِّلُ هذا الأخير إلى دُخانٍ أخضر اللون. سَقط الشيخ أرضا من هوْلِ المَشهدِ في حين تتحوَّل الٱلة إليه. تَنْفثُ غازًا فتحوِّله في لحظات إلى دُخان أخضر اللون.
لم تمض بعض الدقائق، إلا وسُمِع صوت آلي مُرتفع صادر من الصحن العملاق يَصِلُ إلى عددٍ من الشوارع في القرية، تلقَّفَهُ بيبو الذي نزلَ مُتنكِّرا لإسْتطلاع آخر الأخبار :
“إلى جميع سُكان القرية، نحن هنا، نَبحث عن إبنٍ لنا يسْكن بيْنكم، يَحمل عينا كبيرة واحدة تُغطِّي جِبهته، لونه يقتَرب الى الخُضرة منه إلى الصفرة التي تُغطِّيكم، جِسمُه يشِعُّ في الظلام ، له أجْنحةٌ أما ساقاه فهما تُشبِهان عَجلات يُمكِنُه التَّنَقُل بها في وقتٍ قياسي. من يأتي به فقدْ أنْقذَ القرية من الإبادة الجماعية.
لن نَعود إلى كوكَبنا دون إبننا. ولن نُمهِلكُم الكثير من الوقت. كما نَنصَحُكم أن لا تُحاوِلوا مُهاجَمتِنا أو الإقْتِراب من مَرْكبَتنا فنَحنُ نَمتَلِكُ غازا لو أطْلَقْنَاه في الفضاء فستتحوَّلون جَميعا إلى دُخانٍ ولن يبقى مُعافى سالِمًا إلا ابنُنا.
يتكرَّرُ الصوْت الصَّاِدر من الصحن العملاق دون توقُّفٍ.
* على امتداد سنة 2025 ننشر رواية "الفاضرضي"، في أجزاء بصفة دورية وذلك بالاتفاق مع الكاتبة ومؤلفة هذاالعمل رانيا الحمّامي، التي تمتلك حصريا حقوق النشر. وقد تم تقديم هذه الرواية من قبل الباحث والدكتور توفيق بن عامر، رئيس الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين. لمعرفة أكثر تفاصيل عن كاتبة الرواية يمكن زيارة موقع www.raniahammami.tn