قاعة غارقة في شبه عتمة، أضواء خافتة تتقاطع مع صور على شاشة تتوسط الركح، أوراق مبعثرة تستحضر نصوصا لم تكتمل بعد، ميكروفونات تترصد الأنفاس المتقطّعة، وكاميراهات تتبّع النظرات المضطربة، بعض من ملامح الركح في مسرحية “سقوط حر” للمخرج نعمان حمدة.
على هذا الركح يتداخل التلفزي مع المسرحي، والفني والإنساني، والذاتي والموضوعي ويتفجّر نص يكسر المألوف، يراهن على البوح والاعتراف، يراوغ الزيف ويراقص الحقيقة على أعتاب المرارة.
وفي برنامج تلفزي يجمع فنانة وفنانا يتحاوران حول مسيرتهما ومسارات حياتهما، يتحوّل اللقاء الذي كان من المفترض أن يكون مرنا وسلسا إلى مواجهة حامية بينهما تتوقف معها الكاميراهات عن التصوير.
كل محاولة للحوار تُجهضها مقاطعة حادّة تعرّي شيئا فشيئا هشاشة الشخصيتين وتتهاوى الأقنعة واحدا تلو الآخر على إيقاع شعرية تنسجها اللغة على مهل.
لغة النص تجمع بين التصريح والتلميح، بين إسقاطات تحيل إلى عالم الفنّ وأدرانه، وإشارات تنفتح على وجع الذات واعترافاتها، مع نفحات من المباشرتية المربكة والمستفزة أحيانا.
في النص انسياب يجعل الكلام متذبذبا بين الهزل والجدّ، بين قوالب جاهزة مألوفة وبين جمل مشحونة بصدق موجع، تماما كما لو أنّ الكلمة سقطت من علوّ شاهق لتستقرّ في قلب المتفرّج عارية من أي زينة.
فالاعتراف يتخذ صيغة المباشرة ويتوارى، أيضا، خلف استعارات وصور، كأنّ النص نفسه يمارس سقوطا حرا من اللغة إلى المعنى، من القول المألوف إلى البوح الذي يعرّي.
هذا البوح يتجلى في الأداء الصوتي لكل من سهير بن عمارة ونعمان حمدة الذي يشكل بدوره لب المسرحية حيث تبدو الحروف وكأنها تتسرب من جرح عميق.
لكن هذا الأداء يشوبه أحيانا بعض الفتور وربما يعود ذلك إلى بعض المشكلات التقنية التي رافقت العرض ولكنها لم تؤثر بقدر كبير على التلوين في الصوت، من همس يشي بالخوف وانفجار نبرة مشبعة بالوجع.
الصوت يلاعب المعنى ويعري ما تحاول الملامح إخفاءه، ويجعل الاعتراف مدويا وتتحول الكلمة إلى مشرط يجرح الذات لعلها حينما تنزف وتتألم تغادر دائرة الإنكار وتتجاوز حالة الرضوخ.
“سقوط حر”، ليس عنوان العرض فقط، بل فلسفته ؛ أن تلقي بنفسك في الفراغ دون إيذان، أن تواجه الحقيقة كما هي دون وسائط ولا أقنعة، أن ترى نفسك بلا تزييف.
السقوط في هذه الحالة ليس رديف الانحدار في تأويل سطحي ولا الموت في تأويل أعمق، بل هو ترفع ونأي بالنفس عن المكان الذي يقيّدها، عن السياقات التلفزيونية الضيقة، والقوالب الفنية الجاهزة.
هذا السقوط يجبرك على العودة إلى نفسك، رحلة عصيبة يلتقي فيها الإنسان ذاته التي تهرّب من لقائها وأجّل مواجهتها، تمرين على المصارحة والوقوف أمام المرآة مهما كانت الصورة صادمة.
الإضاءة الخافتة، المتقطّعة أحيانا والمحتدة أحيانا أخرى، جزء من السقوط الحر، فالضوء يفضح ثم يختفي، كأنّه يشارك الشخصيتين لعبة الإفصاح والتكتم، ولكنه أحيانا يضيع البوصلة وربما يرجع ذلك أيضا إلى المشكلات التقنية.
الشاشة المرافقة تعرض صورا تتقاطع مع الحوار، وتُعمّق أثر الاعتراف أحيانا ولكنها أحيانا أخرى تشتت المشاهد عنه وتفرغه من معناه على غرار الفيديو الموازي للمشهد الختامي والذي كان يمكن استبداله بتعبيرة مسرحية.
فهذا الفيديو فسر السقوط حرا تفسيرا مباشرا نزع عنه الغطاء الوجودي والفلسفي الذي اكتساه مع تصاعد وتيرة البوح والتعري (في مفهومه الرمزي) وحصره في البعد المادي.
وعلى الخشبة تحيل الطاولة والكرسيين إلى المواجهة ويمثل الميكروفون رمزا للبوح العلني والمواجهة، وتجسد الكاميرا الرقابة وهاجس توثيق الاعتراف تحيل الأوراق المبعثرة على الخشبة إلى محاولات الإنسان المستمرة لصياغة ذاته.
في “سقوط حر”، يقدّم نعمان حمدة أداءً بتسم بالنضج، وحضوره الطاغي على الركح لا يقوم على الصوت الجهوري أو الحركة المكثّفة فحسب بل أيصا على اقتصاد مدروس في الإيماءة، وعلى سكون يسبق الانفجار.
حين يتكلّم، يبدو وكأنّ كلماته تنهل من مرارة تراكمت طويلا، وحين يسكت، يروي الصمت وجع الفنان، يُتقن لعبة التردّد والاندفاع، فهو الممثل الذي يعيش صراعا داخليا لا يريد الاعتراف به لكنّه يواجهه أمام الجمهور.
وأما سهير بن عمارة فيتلوّن صوتها بين الغضب والانكسار، بين نبرة عالية متحدية وأخرى كئيبة قريبة من الانهيار فيما يبحث الحديث داخلها عن منفذ للهروب من جسدها المثقل بالكتمان.
من قوالب الممثلة إلى فضاء الإنسانة التي تتخفّف من أقنعة النجومية، تنقل سهير بن عمارة شخصيتها وتقف عارية أمام مرآة ذاتها في لحظة مواجهة وجودية، لحظة سقوط حرّ في أعماقها الخاصة.
يتأرجح العرض بين تفاهة حوار تلفزيوني وجدّية اعتراف إنساني، بين جمل تنساب ببرود وكأنها حُفظت على مضص، وأخرى تنفجر بصدق جارح فتُظهر هشاشة الإنسان حين يحاول إخفاء وجعه خلف قوالب مألوفة.
كيف يمكن أن يكون ملاذاً وتزييفاً في الوقت ذاته؟ كيف يكون قناعاً، ويصبح في لحظة ما بوصلة لكشف الحقيقة؟ تتساءل على وقع مواجهة الفنان لذاته أمام الجمهور وهو حين يُسقط أقنعته عنوة يقحمه في التجربة ذاتها.
بأداء مشحون بالصدق، ونصّ يتأرجح بين الشعرية والاعتراف، واستعارات تُكثّف لحظات الصدام، تضعنا مسرحية “سقوط حر” أمام أنفسنا قبل أن تضعنا أمام شخصياتها وتلقي بنا في قلب المواجهة مع أوجاعنا غير المنمّقة.
وفيما تتصاعد نوتات الموسيقى التي أوجدها الفنان ذرار الكافي والتي تحاكي مرارة أن تعيش بوجه غير وجهك في عالم تغزوه الحفلات التنكرية ومآدب النفاق يتحوّل الركح إلى فضاء سقوط حر، حيث الاعتراف نجاة مؤقتة، والبوح ضرورة وجودية.
“سقوط حر” لا ينتهي عند انطفاء الأضواء، بل يبدأ عندها، لأنّ المتفرّج يخرج وهو مثقل بأسئلة مغمورة بالنكران المزمن ويعيش حالة الارتطام الخاصة به في مواجهة مساراته وخياراته.