بقلم أميمة زرواني
تقع مدينة عين دراهم في الشمال الغربي لتونس، وتتبع إداريا ولاية جندوبة التي تتميز بموقع استراتيجي بارز على خريطة البلاد، حيث تطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط لمسافة تصل إلى 25 كيلومترا.
وتحتضن جبال عين دراهم مساحات من الغابات الكثيفة وتتميّز بطقسها الرطب الذي يمنح المنطقة سحرا خاصا يجعلها من أبرز المواقع الطبيعية في البلاد.
لكن وراء هذا الجمال تختبئ تحديات بيئية جسيمة يعاني منها المكان وسكانه، تحديات كشف عنها المهندس البيئي والخبير في الشأن المناخي حمدي حشاد خلال حوار مع رياليتي أونلاين.
موقع استراتيجي هام وتاريخ عريق
يمتاز موقع عين دراهم بجغرافيته الاستثنائية التي تجمع بين ارتفاع يتجاوز 1000 متر فوق مستوى سطح البحر، ما يمنحها مناخا رطبا معتدلا يلطف درجات الحرارة صيفا ويُلقي شتاء بردا مصحوبا بأمطار غزيرة وتساقطات ثلجية تصل أحيانا إلى مترين، مما يمنحها لوحتين طبيعيتين متناقضتين تمثلان غاباتها الخضراء في الصيف وبياض الثلوج في الشتاء، وهو مشهد يأسر القلوب ويأخذ الزائر في رحلة بصرية فائقة الجمال لا مثيل لها.
وتضم غابات عين دراهم تشكيلة متنوعة من الأشجار، تتوزّع بين الصنوبر والبلوط والفلين والزان، فضلاً عن شجرة الزان المقلوب، وهو نوع فريد من الأشجار نشأ نتيجة تزاوج بين شجرتي الفرنان والزان، مما يعكس عمق وتنوع النباتات في المنطقة.
هذا الغطاء النباتي الكثيف لا يوفر فقط مناظر خلابة بل يشكّل رئة تونس البيئية ويحتضن في ثناياه حيوانات برية نادرة، بينها الأيل التونسي والذئب والثعلب، إلى جانب الطيور الجارحة كالنسور والصقور، ما يبرز الدور الحيوي الذي تلعبه هذه الغابات في الحفاظ على التنوع البيولوجي الوطني.
لا يقتصر تميز عين دراهم على العنصر الطبيعي فقط، بل تمتد عراقتها التاريخية إلى ما قبل العصور الرومانية، إذ تعد منطقة سكنية يعود تاريخها إلى الحضارات القرطاجية والوندالية ثم البيزنطية، ثم مرّت بفصول الحكم الإسلامي المتعاقب.
هذه الخلفية التاريخية توّجت بمدينة عرفت مبكراً بإنشاء بلديتها عام 1892، مما يؤكد عمق أصولها المدنية رغم موقعها الجبلي ونمط عيش سكانها المتصل بالغابة والطبيعة.
واقع بيئي هش وتحديات متعددة
ولكنّ التقرير الجهوي للوضع البيئي لولاية جندوبة الصادر عن وزارة البيئة يشير إلى أن عين دراهم تتعرض لتدهور بيئي متسارع نتيجة تراكم النفايات في المناطق الغابية التي تعرف بكثافتها النباتية، مقابل ضعف منظومة جمع ومعالجة النفايات.
ففي قلب هذه الغابات التي تُعدّ من الحصون الأخيرة للتنوع البيولوجي التونسي، تُترك مخلفات بلاستيكية وزجاجية وغيرها من النفايات التي تتسبب في تلوث التربة والمسطحات المائية، ما يزيد من هشاشة النظام البيئي.
وقد أشار المهندس البيئي حمدي حشاد إلى أن “تراكم النفايات وسط الفضاءات الغابية يعد مشكلة عويصة تؤثر مباشرة على البيئة، كما ترتبط بشكل مباشر بانتشار حرائق الغابات خلال موسم الصيف، إذ تعود كثير من الحرائق إلى حرق هذه النفايات في الفجوات الغابية”.
تحديات تغير المناخ و تراجع الأمطار
من الناحية المناخية، تعاني عين دراهم، من تغيرات مناخية ملموسة أدت إلى تراجع نسبة الأمطار بنحو 10% خلال العقد الماضي مع ارتفاع درجات الحرارة.
ورغم تصنيف المنطقة كواحدة من أكثر المناطق رطوبة في البلاد، فإن هذا التراجع يؤثر على استدامة الغطاء النباتي وعلى المصادر المائية التي تعتمد عليها الزراعة والمراعي المحلية.
ويعتبر هذا التراجع في التساقطات مصدر قلق لأن الموارد المائية في الشمال الغربي تمثل حوالي 90% من موارد البلاد، لكن توزيعها غير متكافئ، حيث تواجه بعض التجمعات السكنية نقصا في توفير مياه الشرب الصالحة.
ويؤكد حشاد على ضرورة تعزيز استثمار المياه وإعادة تدويرها لمعالجة مشكلة ندرة الموارد ودعم النشاطات الاقتصادية، بما في ذلك السياحة البيئية والزراعة.
قطع وحرق الغابات
تظهر دراسات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن القطع العشوائي للأشجار والحرائق يشكلان تهديدا متزايدا على محميات الغابات في عين دراهم، فتدهور الغابات لا يقتصر على فقدان الأشجار فقط بل يمتد إلى خسارة التنوع البيولوجي الذي تحتضنه هذه الغابات بالإضافة إلى تأثيره على مناخ المنطقة نفسه.
وقد سجلت حرائق الغابات المتكررة خلال المواسم الحارة خسائر كبيرة، مما دفع إلى مناشدات لتعزيز آليات الوقاية المبكرة ومراقبة الغابات.
وأكد حشاد أن “الاستمرار في فقدان الغابات يعني فقدان الهوية البيئية للمنطقة، وهو ما يستدعي دمج الجهود الرسمية والمجتمعية للحفاظ عليها”.
الوعي البيئي خطوة ضرورية لاستدامة البيئة
يختم حشاد حديثه بملاحظة مهمة حول ضرورة تأسيس قاعدة فكرية ووعي بيئي قوي لدى السكان والزوار على حد سواء.
حيث يرى أنه “من غير المعقول أن تتوفر هذه المنطقة على موارد بيئية هائلة، ونرى في ذات الوقت سلوكيات مدمرة مثل الرمي العشوائي للنفايات وحرقها داخل الغابات، يجب أن يكون هناك وعي مسؤول يرافقه إطار تنظيمي للحفاظ على هذه الثروة البيئية”.
ويشدد على أن استمرار الغابات هو جوهر هوية عين دراهم، وأن فقدان الغطاء الغابي يعني فقدان الهوية البيئية للمنطقة بأكملها، وهذا الوعي هو ما سيضمن استمرارية الحياة والازدهار في هذه البقعة الغنية بالطبيعة.
تظل عين دراهم، بجمال غاباتها وروعة طبيعتها وتاريخها الحافل، مكانا يعكس التنوع البيئي والثقافي لتونس، لكنه في الوقت ذاته يعاني من تحديات بيئية ملحة تهدد استدامته.
إن معالجة تراكم النفايات، وتقليص القطع العشوائي للغابات، والحد من حرائق الغابات، إلى جانب مواجهة آثار تغير المناخ، كلها خطوات ضرورية للحفاظ على هذا الكنز الطبيعي.
وكما أكد المختص في الشأن المناخي حمدي حشاد، فإن تحقيق الوعي البيئي والمشاركة المجتمعية هما المفتاحان للحفاظ على هوية عين دراهم البيئية والبشرية.
وفي ظل هذا الوعي، يمكن لعين دراهم أن تستمر كواحة من الحياة الخضراء، تروي قصص الطبيعة والإنسان المتناغمين عبر الأزمنة.