مفيدة خليل-كيف نعيش والعالم في حرب؟ كيف نشعر بالحياة وهناك أطفال يقتلون في كل مكان؟ كيف نضحك وابناء جلدتنا يبكون قهرا ويحاولون سرقة بعض لحظات الحياة من مرارة الواقع؟، على الخشبة تسقط الاقنعة يتحرر الممثل من ادران الخارج فتطهر روحه ويحلق معها ناقدا مشاكسا صانعا حكايات أخرى أفضل للانسان وهي مضامين مسرحية “نشرب اذن” التي تمثل المغرب في مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته السادسة
المسرحية نص واخراج خالد الزويشي واداء نسرين المنجي وفريد بوزيد ومراد متوفق وسينوغرافيا اميمة الخضري واضاءة الياس المربوح.
هل يتحرر الانسان من خوفه؟
يهرب الانسان من حقيقته ويرتمي في المجهول بحثا عن امل يتسرب من يديه، يحاول أصلاح العالم وروحه مكسورة، يبحث عن متفذ في الخارج وداخله عقم وهروب، يريد الحرية ولكنه يعجز عن الهتاف بها كما فعلت شخصيات المسرحية.
تردد، خوف، شيخوخة, هروب جميعها مفردات ومشاعر تسكن المتلقي منذ انطلاق العرض المسرحي، فالمخرج وضع ممثليه في مربع حديدي عال، منذ الوهلة الاولى تعيش الشخصيات حالة قيد، أريكة خشبية تتوسط الفضاء المربع وحقيبتي سفر كبيرتين واقفتين وكانهما شخصية اخرى، حقائب لا مستقر لها، الشخصيتين امراة ورجل، زوج وزوجة في مكان غير محدد الملامح، يبدو انه محطة قطار “لقد تأخر كثيرا، لم يصل بعد” الجملة الاكثر تكرارا في الخطاب.
الشخصيات كبيرة في العمر، تتحرك ببطىء وكانها تحمل ثقل السنين وأرث الخيبات والحروب على الظهر، فضاء اللعب محدد جدا لا تتجاوزه وكلما حاولت الخروج يسطع فيها ضوء حاد يعمي البصيرة قبل البصر فتنهزم وتتراجع وتعود الى النقطة الصفر أي الأريكة أين يفتحون باب الحكاية ويحاولون تذكر منذ متى كانوا هنا؟.
من جمل بسيطة صاغ الكاتب سردية للضياع، جمل تقال يوميا مثل “انام ليلا، اصحو نهارا” و “أنا مثلك” هذه المفردات العادية بنيت عليها حركة مسرحية وفرجة عبرت من خلالها الشخصيات عن وجع الاغتراب وكأننا بصوت محمود درويش يصرخ في الخلف:
الحلم، ما هو؟
ما هو اللاشيء هذا
عابر الزمن
البهي كنجمة في اول الحب
هذا اللانهائي الضعيف الباطني
الزائر، المتطاير، المتناثرة
فالشخصيات تعيش حالة أنتظار ابدي، لا يعرفان متى وجدا في المكان ومتى سيغادرانه.
في المسرحية الكثير من لحظات الصمت التي وظفت خدمة لرسائل العمل، فالصمت لغة احيانا تصبح الحل الأفضل امام قسوة الواقع ومرات تعجز الكلمة عن التعبير عما يسكن الروح من خوف وتردد وموت مجهول المصدر.
الفضاء المربع المجهول مكانهما منذ الازل، ينتظرون القطار علهم يعرفون فضاءات ارحب، يسالها “هل لدينا اولاد” فتجيب “ولدان” ثم تتساقط دمى من كل مكان ويرتفع صراخ الخوف في احالة واضحة الى معاناة أطفال غزة طيلة الحرب، النص التقط تلك الصرخات ونظرات الخوف وصنع منها مشهدية بصرية تشاركها مع الجمهور، فالمسرحية رغم بعدها التجريبي ألا انها استحضرت وجع الانسان وجعلت المتفرج يطرح السؤال امام حقيقته ويتساؤل، هل امارس انسانيتي؟ هل احترم وجع الآخر واشاركه الهم أم أنني مجرد متفرج اغير المحطة متى سئمت رائحة الموت؟.
“نشرب اذن” عنوان المسرحية، حالة هروب تعيشها الشخصيات كلما عجزت عن ايجاد حل، في العمل شخصية ثالثة تتحرك في المكان، تزعج الزوجين، تشارك في صناعة الحدث دون الكلام، يحاول الزوجين كل مرة التخلص منها، شخصية لا تنتهي تماما كالموت، وكلما عجزا أمامها يصرخون “نشرب اذن”، كدلالة رمزية على الهروب، وعوض البحث الجدي عن حل يهرب العديد من البشر الى الحلول السهلة سريعة الانتهاء.
تنقد المسرحية حالات الهروب من الحقيقة وجبن الشخصيات وعدم قدرتها على تكسير القيود، شخصيات تننظر الحل ولكنه مثل غودو سيتأخر كثيرا.
السينوغرافيا جمالية فكرية وبصرية
تصنع الاضاءة مشهدية مختلفة وتشكل صورة ترسخ في الذاكرة، الاضاءة في العمل وسيلة لقراءة باطن الشخصيات وكيف تفكر، عبر الاضاءة نقرأ غربة الشخصيات عن انفسهم، هم لا يبحثون عن خلاص من المكان بل يريدون الخلاص من ترددهم، من تأجيلهم لفكرة الرحيل، من خوفهم المسيطر على كل التفاصيل، الاضاءة كشفت ما تخفيه الشخصية وعرت الوهم والزيف الذي يصنعه الانسان حوله ليدعي انه ضحية الاخرين.
في العمل الكثير من الترميز، وفي كل مشكلة تهرب الشخصيات مباشرة الى الحقيبة رمز السفر والترحال، هم لا يغادرون المكان فقط يحركون الحقيبة من مكانها، يريدون الرحيل ولكنهم نسوا تدريجيا الى أين.
تنسى كانك لم تكن
تنسى كمصرع طائر
ككنيسة مهجورة تنسى
كحب عابر
أنا للطريق…هناك من سبقت خطاه خطاي
يسيطر على العمل لوننين اساسيين الرمادي والاحمر وكلاهما يحيل على حالات نفسية مثقلة، رمادية الخوف وحمرة الدم والموت هكذا تخبرنا الالوان، فاللون في المسرح ليس اعتباطا “يعد اللون العنصر الذي يشترك مع العناصر أخرى في تكوين سبنوغرافيا العرض المسرحية ويغني العرض بوجوده الفاعل بحيث يؤثر على نجاح المشهد ويضفي جاذبية خاصة على الصورة، ان الالوان وبمساعدة الاضاءة المسلطة عليها هي لغة تصاغ بشكل مدروس لاضفاء دلالة أو حالة نفسية موجودة في العرض” كما كتب الدكتور عماد خفاجة وفي “نشرب اذن” عايش المتلقي الم الضياع النفسي وضياع الاوطان والاحلام المسروقة من خلال الاضاءة والالوان.
المسرح بوح ورفض، الخشبة فضاء كلي للتحرر، في المسرحية حضر الوجع الفلسطيني، من خلال الموسيقى والشعر، فلسطين التي يهجر اهلها من قبل الاحتلال ويقتل من يحاول الحفاظ على بيته وحلمه، صمود الفلسطينين حضر في الحقيبة التي لا تغادر واشعار محمود درويش الموظفة داخل العمل وهتافات “القدس عروس عروبتنا” المتردد صداها آخر المسرحية وكانها انتفاضة ابدية على الموت، الوجع الفلسطيني لا يقتصر على. الفلسطينين بل أنساني والصمت أمامه وصمة عار رفضها مخرج “نشرب اذن” وصرخت شخصياته برفض الحرب والتهجير، ليكون المسرح صوتا لفلسطين ولحق الشعب الفلسطيني في ارضه وتاريخه.