مصر/الجونة_في المرة الوحيدة التي تراءت فيها عبرات المصورة الصحفية فاطمة حسون طيلة فيلم ” ضع روحك على كفك وامشِ” للمخرجة الإيرانية سبيدة فارسي كانت حينما تمنت أن ترى مدينة الملاهي.
فاطمة حسونة كانت تحمل روحها على كفها وتمضي بين شوارع غزة المسكونة بالموت والمشحونة بصرخات الثكالى واليتامى، سلاحها ضحكة لا تخفت وكاميرا تختزن فيها أثر الخراب.
وعنوان الفيلم مستلهم من كلماتها في محادثات الفيديو التي جمعتها مع المخرجة سبيدة الفارسي التي كانت ترافقها على امتداد سنة تقتفي أثر يومها وتتقاسم معها صوت طائرات الأباتشي وهي تحلق فوق المباني.
“في ماذا يستعملون الأباتاشي؟ ” سألت المخرجة ليأتي رد بطلة فيلمها غير متوقع وصادم ومثير لمشاعر متناقضة، قالت “يستخدمونها في قتلنا” مع قهقهة تعجز كل اللغات مجتمعة عن تفسيرها.
حكاية الفيلم لا تهتم بالحرب في غزة التي تابعها كل العالم على امتداد سنتين وأكثر بل بفتاة تسير بخفّة يتلبسها التحدّي، فاطمة حسونة المصورة الصحفية الفلسطينية ذات الأربعة والعشرين عامًا.
الفيلم الوثائقي الذي ينضاف إلى سجل الأفلام الشاهدة على جرائم الاحتلال في فلسطين لا يقدمها ضحية بل إنسانا يرى هشاشته رؤي اليقين، يعانقها كل حين ويرسلان معا قهقهات تحجب دوي القصف.
في لحظات يغدو فيها التنفس ذاته عملا بطوليا وسط سيول الدماء وأكوام الأشلاء، تختار فاطمة أن تمشي في شوارع غزّة، تضع روحها على كفّها، وتواجه العالم بالضحك، كأنما الضحكة هي آخر ما تبقّى من حقّها في أن تكون على قيد الحياة.
ابتسامات الأطفال، خيوط الماء التي تكنس أثر الدماء، الجدران المنتصبة غصبا عن القصف، الزجاج المتماسك على شفا الهاوية، تفاصيل صورتها عدسة فاطمة حسونة وهي تحاول أن تصنع ذاكرة على قارعة الحرب.
جولات التصوير التي تحاكي المشي على الألغام، رحلة الملجأ، قصف المباني المجاورة لمكانها في كل مرة ، شهدتها المخرجة مع الشخصية التي أوكلت لها بطولة فيلمها الذي شارك بمهرجان كان.
ولأن المخرجة الإيرانية سبيدة فارسي تدرك جيدا فصول الحرب ومعنى أن يكون لك وطنا يحتويك حتى في خرابه الأخير فإنها تتخفف من حمل المنفى في أحاديث فاطمة وتلقي أمامها أفكارها عارية.
أحيانا تستحضر تجربتها السياسية في إيران التي كلفتها العيش بعيدا عن والدتها في محاولة لتخفيف المعاناة عن فاطمة ولكنها سرعانما ما تتدارك وتعترف بأن الوضع ليس هينا وأن الحياة ليست بخير.
المخرجة لا تقترب من المصورة الصحفية الفلسطينية بعين الباحثة ولا بعين المتعاطفة، بل بعين الصديقة التي تحاورها عبر شاشة مضاءة بضوء الهواتف ووميض الصواريخ ودخان القذائف.
في محادثاتها مع فاطمة، نسمع المخرجة كما نسمع صديقة تسأل بحنوّ، لا صانعة فيلم تستجوب بطلتها لتحصل على المزيد من الحديث بينما تتحدّث فاطمة بخفّة مذهلة، تضحك، تسخر، تمازح القصف، وتروّض الفاجعة بذكاءٍ أنثويّ حادّ.
بين تسجيلات محادثات الفيديو والصور التي التقطتها فاطمة بنفسها، ومقاطع نشرات الأخبار وفيديوهات الدمار، يتشكّل نسيج فيلم ترتبه المخرجة زمنيا بتواربخ محددة لكنه يتجاوزها ليصنع زمنا خاصا تتعانق فيه الحياة والموت.
الكاميرا لا تركّز على الدمار بقدر ما تلاحق الأثر الإنساني فيه ويأتي تعاطي المخرجة مع فاطمة وارتباكها كلما اتصلت وتأخرت في الرد ليقحم المشاهد في حالة التوتر وتجعله مشوشا بين الحقيقة والحلم.
تناوب بين ما هو حيّ وما هو موثّق، بين اللحظة اليومية التي التقطتها فاطمة من بيتها أو الشارع، والمشاهد التي انتُزعت من نشرات الأخبار أو عدسات الآخرين، مراوحة تولّد توترا مؤلما في مفترق الطرق بين الفناء والوجود.
في مساحة زمنية وجيزة تنتقل الكاميرا من الوجوه الحقيقية إلى آثار الدمار، ومن الضحك إلى الانفجار، ومن الحياة إلى ما بعدها دون قطع حادّ أو فواصل، فقط تدفّقٌ يعكس انسياب الحياة في بيئةٍ مهتزة على حبل الموت المعلق.
رغم أن العالم كله علم باستشهاد فاطمة حسونة يوما قبل عرض الفيلم في مهرجان كان إلا أن المخرجة كلما اتصلت بها وسبقتها ابتسامتها إلى الشاشة حين ترد يتربى أمل داخلنا في أنها لم تنم إلى الأبد.
فاطمة لم تغادر غزة طيلة حياتها وكانت تحلم بأن تزور طهران وروما ومدينة ملاه في أي مكان من العالم رحلت وستة من أفراد عائلتها إثر قصف صهيوني استهدف منزلهم وهم نيام ولم تنج إلا والدتها.
من أجل عائلة حسونة “ضع روحك على كفك وامش” ظهرت هذه العبارات في جينيربك النهاية لتخلد أثر فاطمة وتزعزع داخلنا ونحن نطأطئ خجلا من أرواحنا التي تشظت وهي تراقب المأساة بكل عجز.
هذا العجز نفسه الذي لم تجد المخرجة العبارات المناسبة لوصفه وهي تحدث فاطمة عن رحلاتها وعن قضاء يومها على الشاطئ فيما تتخبط محدثتها في قلب المجاعة التي انهكت الغزاويين.
مفارقة قاتلة تتشكل حول مكالمة فيديو قد تكون عادية في سياق آخر ولكنها مزلزلة في عالم يمشي على رجل واحدة لا يعترف بحق الفلسطينيين في سلام دائم ففيما تحاول أن تصمد فاطمة في وجه الموت تسير الحياة بإيقاعها المرتبك عند سبيدة.
ولكن سبيدة لم تكن تشاهد المأساة بعين المخرجة التي كانت تقتتص اللقطات والمشاهد التي تنسج منها تفاصيل فيلمها الواقعي بل انغمست في الصداقة مع حسونة حتى صارت تدرك كل تفاصيل يومها وتدعو معها بانتهاء الحرب.
ومن أكثر اللحظات توترا في الفيلم تلك التي تسبق مكالمات الفيديو والتي تظهر فيها لقطات قريبة توثق نظرات سبيدة فارسي التي لا تنفرج ملامحها إلا حينما تعانق عيناها ضحكة فاطمة.
في التسجيلات يوحي كل شيء بالدمار ولكن كل ذلك يتلاشى حينما تتلألأ أسنان فاطمة وهي تروي حكايات عن القصف والموت وتعدد الشهداء وتترك للمشاهد حيزا لا متناهيا ليتخيلوا كم الأحلام التي ذوت.
كل شيء على سجيته في الفيلم، عفوية مطلقة لا تخضع لتراتيب الزمان والمكان وشهادة حية على مقاومة الإنسان من أجل الحياة في قلب الدمار، تشابك بين التوثيق والتداعي يمنح الفيلم ملامح سوريالية.
كل التفاصيل ترشح وجعا، حتى تلك الضحكة التي تحدت كل شيء تسائل المتفرجين على المجازر وتكثف العجز والقهر وتجعلهم عالقين بين دموع أبت أن تسيل من فرط القهر وابتسامة ساخرة تحاول عبثا أن تحافظ على صمودها
في “ضع روحك على كفك وامشِ” لا تستدعي سبيده فارسي الدموع، بل تنبّهنا إلى حاجتنا إلى المجازفة والمقاومة وتضعنا في قلب صراع داخلي بين قدرتنا على التحمل وعجزنا عن تغيير الواقع وما بينهما من حاجة إلى البكاء بنية التطهر من ذنب لم نرتكبه لكنه ما انفك يلاحقنا.
الفيلم لا يبحث عن البطولة، بقدر ما يفتش عن الصدق والشفافية، يترك فاطمة تتكلم بلسانها، بضحكتها، وبعينيها ببساطة إخراجية تظهر فيها مسافة عاطفية دقيقة بين المخرجة وموضوعها، تمنح الفيلم عمقه الإنساني الحقيقي.
وعبر الضحك ترسخ فاطمة في أذهان المشاهدين أن البكاء ترف لا تملكه الغزّيات وأن توهّج الحياة في عينيها لا يليق بالحرب ففاطمة التي عاشت أربعةً وعشرين عامًا فقط، وضعت روحها فعلًا على كفّها ومضت، كأنها تعرف أن الكاميرا ستخلّد خطوتها الأخيرة.
ضحكة فاطمة، تلك التي لا تفارق وجهها، تصبح في سياق الفيلم معادلا بصريا للمقاومة، لا ضجيج فيها لكنها تمزّق الصمت فهي ليست إنكارا للوجع، بل طريقةٌ لمواجهته، تخفّف من وطأة الحقيقة دون أن تتجاهلها إنها ضحكة من يعرف أن الموت قريب لكنه يرفض أن يُهزَم قبل وصوله.
في كل مرة نسمع فيها صوتها ، نشعر أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة لا سينما عندما تتحدث بخفّة عن الحرب وكأنها شأنٌ اعتياديّ، تسخر من الخطر وتمازح الموت ويتربى من بين حروفها وعي كثيف بأنّ الحياة في غزّة ليست وعدًا بل معركة يومية مع الفناء.
حين تظهر فاطمة في الكادر، تكون الكاميرا قريبة جدًا، كأنها تلامس مسامها وتستنطق روحها وتفتح الشاشة على أفقٍ من الإنسانية الخالصة، لا موسيقى تُرافقها، فقط ضحكتها وصوت المسيّرات والقصف.
الفيلم، رغم قسوته، لا يسعى إلى إثارة الحزن بل إلى إحياء الذاكرة وإعلاء الحقيقة يذكّرنا بأنّ الوجوه التي تمرّ في نشرات الأخبار كانت تحلم وتحبّ وتغنّي، فاطمة كانت تحلم بالذهاب إلى مدينة الملاهي، حلمٌ بسيطٌ ومؤلم في آن.
الموت لم يمهلها لتحقق أحلامها لكنها تركت خلفها ابتسامة تشبه وعدا مؤجّلا بالحياة، حين نسمع صوتها وهي تتحدث عن رغبتها في اللهو، نُدرك أن الفلسطينيين يحبون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلا وأن كل رغبة هي قطعا فعل مقاومة.
وحينما تظلم الشاشة منبئة باستشهاد فاطمة حسونة لا تغلق المخرجة فيلمها بل تفتح أفقا آخر يعلو فيه صوت كل الفلسطينيين الذين رحلوا وتطايرت أحلامهم مع الشظايا والأشلاء ويظهر فيه وجه الحرب البشع بصورة أوضح.