الجونة/مصر_في قاعة يغمرها الضوء، وتزدحم بالكاميرات والفضول، كانت الممثلة منّة شلبي تختال بخفة من يعرف نفسه جيدًا، هي لا تحتاج تصنعا ولا نبرة متكلفة تذكّر الناس بأنها فنانة راكمت الشخصيات حتى استحقت جائزة الانجاز الإبداعي في مهرجان الجونة السينمائي.
حين جلست إلى المخرج كريم الشناوي في اللقاء الحواري بالمهرجان، كانت ببساطة امرأة تقف على حافة الامتنان، تتأمل الطريق التي سارتها، والوجوه التي التقتها، والأدوار التي مرّت بها كالعشاق وتركت أثرًا ومضت.
الحوار لم يكن صداما من الأسئلة الثقيلة، بل كان مساحة دافئة للحكاية، كأنها جلسة بين فنانين يتقاسمان شغفا لا يبلى، كانت على سجيتها تماما، لا تتكلف ولا تبرر بل تستعيد ذكريات متوهجة.
“عندي روح الهواية دايمًا، دي اللي بتخليني أكثر إبداع.”، قالت بصوت تغمره الطمأنينة وفتحت بابا إلى سرها فمنة التي تقلبت بين شخصيات لامسنا هشاشتها وبحثنا معها عن ذاتها وعشنا كل صراعاتها لم تتخلَّ يومًا عن تلك البراءة الأولى التي جعلتها تقترب من التمثيل كما يقترب طفل من لعبة يحبها.
وكلما استرسلت في الكلام بعفوية وتلقائية ترسخ رؤيتها للفن التي تتجاوز كونه مهنة تدار بحسابات النجاح والفشل إلى حالة عشق لا تكتمل ولا تنفذ وتتجدد على ناصية الشغف والثبات وتسير على إيقاع القلب.
منة تؤمن أن “إدارة الموهبة صعبة”، وفي ذلك وعي نادر بخطر الموهبة نفسها، إذ لا يكفي أن تحملها داخلك، بل عليك أن تروضها دون كبتها أو ختقها وأن تحميها من غرور يتسلل خفية بعد كل نجاح.
“ماينفعش تفضل ممثل وإنت عندك إيغو يحبسك”، قالت بكل ما أوتيت من جرأة وصراحة وانغمست في معنى لا يعرفه إلا كل فنان حقيقي، معنى يقف في منطقة وسطى بين “الأنا” التي تبني جدرانا حول الفنان و ” الأنا” التي تعرّفه أحيانا وتحميه كل حين.
وما يحسب لمنة شلبي وعيها الجاد بأن الممثل لا ينجو إلا إذا انفتح على الآخر، وذاب فيه وتقاطع مع مساراته حتى يختفي صوته تمامل في دوي الشخصية التي يؤديها.
التمثيل، بالنسبة إليها، ليس أداءً، بل حالة وجدانية تشبه “قصة حبّ”، وهي وحين تحدّثت عن الشخصيات التي سكنتها، تفرّق جيدا بين الشخص والشخصية وتمسك بطرف الخيط الممتد بين الواقع والخيال وتحركه كما تشاء.
شخصياتها التي شكلتها بجوارحها وصنعت تفاصيلها بحركاتها وسكناتها وإيماءاتها ودموعها وضحكاتها، لم تمر من ثقوب الذاكرة لأنها حصنت نفسها من أن تكون عابرة حينما مرت عبر روحها الشغوفة.
وهي تتتقن جيدا الإصغاء إلى الشخصيات التي تأتي إليها، وتعرف أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفرق من نظرة مرتبكة إلى صمت في قلب الكلام وارتعاشة يد، ودمعة تُكابر ليتجاوز أداؤها حدود “التمثيل الجيد”.
وهي حينما تتحدث عن مسيرتها الممتدة على ربع قرن من الزمن لا تفوت الفرصة للاعتراف بفصل المخرجين الذين آمنوا بها منذ بداياتها، وعن دعم الممثلين الكبار الذين احتضنوها، عن صداقات الفن التي كانت سندها.
في نبرتها امتنان وحنين نابعان من ذاكرة لا تنسى رفاق البدايات ولا تبخس الآخرين فضلهم ولا تعتقد في المجهود الفردي بحت، فلم تغفل الحديث عن كل الفاعلين في صناعة السينما من مخرجين وممثلين وتقنيين بمختلف اختصاصاتهم.
وتكريم منة شلبي في مهرجان الجونة يتخطى تتويج المسيرة الفنية إلى الاعتراف بممثلة يحركها الصدق، لا تبالي بصخب الشهرة، وتفتنها الاختيارات الصعبة، أدوار الهامش، النساء المنكسرات، الصراعات الصامتة التي تتجلى في المآقي قبل أن تترجمها الشفاه إلى كلمات