مصر/الجونة_وين ياخذنا الريح(حيث تأخذنا الريح) فيلم روائي طويل للمخرجة آمال قلاتي يجول في وجدان جيل جُبل على الخيبات لكنه بقي متشبثا بالحلم والحرية والحب رغم أكوام السوداوية من حوله.
ولئن يوحي عنوان الفيلم المشارك في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجونة السينمائي بالتسليم والانصياع إلى حركة الريح التي تحدد مسار الشخصيات إلا أن تواتر الأحداث ينتهي إلى أن الريح تهب من داخلها لتضبط إيقاع التمرد والثورة.
ونون الجماعة التي تطل من العنوان تتخطى الجمع اللغوي إلى استدعاء جيلٍ بأكمله، الجيل الذي وُلد على حافة الثورة، ومضى في الحياة مثقلا بأسئلة لم يجد لها جوابا بعد.
ولأن الوقوف موت بطيء، توغل كاميرا المخرجة في الطريق حتى ترسم مسار الوصول حيث تحملنا الريح وتمرر يدها على وجه الذاكرة فتلامسها بخفة، لا تقتحمها ولا تضغط عليها لكنها تجيد وضع أصابعها على مسام الندبات.
أحيانا يبدو الإيقاع بطيئا ، لكنه ليس رتيبا، بل محسوب بإتقان ليتيح للمشاهد أن يتورّط وجدانيا، أن يعيش الرحلة دون أن يكتفي بتتبع تفاصيلها وتتجاوز الإضاءة الطبيعية الخيار التقني لتشكل موقفا جماليا يساند الصورة والموسيقى وغيرها من العناصر المسكونة بالتأويلات.
على إيقاع النور والظلال تقاوم الذاكرة ويبدو كلّ شيء معلقا بين الحلم والخيبة، وكأنّ الفيلم برمّته يحدث في تلك المنطقة الرمادية بين ما نريده وما نقدر عليه، وتأتي الموسيقى، كهمس متقطّع، تفرض حضورها وكأن الريح تعزفها.
“وين ياخذنا الريح” فيلم طريق بالمعنى الحسي والرمزي، يسلك الجغرافيا التونسية ليكشف طبقاتها، ويتنقّل بين تفاصيلها كما يتنقّل بين ثنايا الروح، ويتحول المسار الممتد من الشمال إلى الجنوب إلى مساحة للتفكّر والانعتاق.
من زاوية نائية عن التعقيد تبدأ الحكاية : الثنائي “علّيسة” و”مهدي” يتقاسمان الزمان والمكان ويبحثان عن المعنى وسط فوضى الانتظار، لقد نشآ في نفس الحي وألحقهما القدر بجيل الثورة.
وفيما تتّقد عليسة تمرّدا يختبئ “مهدي ” خلف خجله ورسوماته، يبدوان للوهلة الأولى نقيضين، لكنّ الطريق يُذيب الحدود بينهما، ويكشف أنهما وجهان لقلق واحد، لجيل تائه بين الوعد والخذلان، بين الرغبات والخيبات.
عليسة باندفاعها، ومهدي بتردده، يختصران ملامح شباب تونسيّ ما انفك يُربي الأمل على شفا الثورة ولم يعانقه بما يكفي وتقاذفته الأسئلة المعلقة، واستكبرت الأجوبة وحجبت الاتجاهات ملامحها.
إنهما يلتقيان عند حدود الحاجة إلى الهروب، في نقطة تتقاطع فيها الحقيقة والرغبة والخيال يصنعان ملاذا، ويبنيان طريقا لا تعرف مآلا، حتى تأتي فكرة مسابقة لتغدو فتحة في جدار الواقع تطل على الأحلام المعلقة وذريعة للانطلاق في رحلة نحو مجهول يشارف على الحرية.
رحلة الثنائي استعارة مفتوحة للعبور يغدو معها العبور الجغرافي عبورا داخليا ويتحول فيها الطريق إلى مساحة لاستكشاف الذات حيث كل وقوف أو توقف محاولة للفهم والاستيعاب.
على جنبات الطريق تتناثر عينات على التركيبة المختلفة للشخصية التونسية وتتجنب المخرجة المباشرتية قدر الإمكان ويتدفق المعنى في كل التفاصيل بشكل محسوس ويتسرب المغزى وسط الريح وتتبدى تونس بملامحها المختلفة من طبيعتها وآثارها.
ومع كلّ ميل من الطريق، يتهشّم بعض من الخوف وينبت مكانه الأمل، وفي كلّ منعطفٍ يعيد “مهدي” و”عليسة ” كتابة العلاقة بينهما وبين العالم وترمز الريح التي تهب فيهما لما يواجهانه، لتلك القوّة المتوارية التي تدفعهما قسرا أو تلهمهما صدفة، وتعيد ترتيب الفوضى في دواخلهما.
هذه الحركة الخفية بين الإنسان والريح، بين الرغبة في المضيّ والخشية من الضياع، تلتقطها آمال قلاتي وتمضي إلى زاوية نتيقن فيها أن الإنصات إلى هشاشة الإنسان هو الفعل الأكثر ثورية في زمنٍ صاخب.
وحين يتكثّف الشعور، تميل الكاميرا إلى اللقطة القريبة وحين تضيع الخطى في اتساع الطريق تركن إلى اللقطة الواسعة و يتظافر الضوء مع الصورة ويتأصّل المعنى ويتحول من عنصر بصري إلى حالة شعورية يرسخ فيها إيمان عميق بأن الأمل ممكن رغم كل التعب وأن أنفاس الثورة قد تخفت لكنها لا تموت.
عن فخ العاطفة التقليدية تبتعد آمال القلاتي وتظهر العلاقة بين “مهدي” وعليسة” مساحة لقاء نادرة بين رجل وامرأة لا أحد منهما يحاول امتلاك الآخر، بل يتكئان على بعضهما البعض ليواصلا السير.
علاقة من طينة الثورة، حقيقية ومفعمة بالمفارقات، فيها الصدام وفيها الصمت، فيها التوتر والرقة، تحاكي العلاقات التي تشكلها المرحلة العمرية الممتدة بين خمسة عشر عاما وخمسة وعشرين عاما.
في هذه المرحلة المشاعر بلا اسم محدد، وكلّ لقاء قادح للتغيير، على وقع صداقة متوهجة تشكل ذبذبات الطريق ونبض الفيلم ومنها يتفرع التمرد والسؤال وكل الانفعالات والتفاعلات.
وفي اختيار الممثلين، تبدو آية بلاغة وسليم بكار مثالييْن لتجسيد هذه الهشاشة الناضجة، إذ تحمل “آية” ملامح تعرف التمرّد جيدا، وحضورا على الشاشة يفيض بالحياة، أما “سليم” فيملك حضورا لا يحتاج إلى كلام، نظراته وحدها تحكي عن التردد والخوف والرغبة في الانعتاق.
بين الثنائي تتكوّن كيمياء ناعمة يحركها الشغف والعفوية النابعة من الانتماء الفعلي لجيل الثورة، ذلك الجيل الذي إن كنت منه ستصدقمها لأنهما يشبهان كل من يحلم بغد آخر ويرغب في السفر ولكنه لا يغادر ويضحك رغم كل شيء.
في “وين ياخذنا الريح، يتجاور الأمل والإحباط، ويتقاطع الواقعي بالخيالي، وتتشكل رحلة وعي تعاضد رحلة الطريق ويخلق “مهدي” و”عليسة” عوالم تتيح الهروب من واقع خانق.
والخيال يشكل ملاذا ويستحيل إضاءات في الزوايا المظلمة من الذوات التي خبرت الثورة في ملامحها الأولى لعلها تكمل ما غاب من الحكاية وتواجه الأحداث بدل الهروب منها عزلة أو هجرة.
وبين المأزرق والحل تتأرجح صورة الهجرة بما هي رغبة جامحة تستبد بعليسة وتتبعثر الأسئلة عن الخلاص وعما إذا كان فرديا أو جماعيا وإذا كان يكمن في المغادرة أو إعادة اكتشاف السكن.
وكلما تواترت التساؤلات الفلسفية والوجودية تتوضح دلالات العنوان وتغدو الريح روحا تسكن السرد كلّه، تدفع “عليسة” إلى التمرد وتحرك “مهدي” باتجاه مخططاتها، وترافق السيارة في رحلتها نحو الجنوب وتهز الدواخل الريح لتتزعزع وتنبت مكان الخوف فضولا.
لا شيء ثابت في هذا الفيلم، كل شيء يتحرّك: الكاميرا، والغيوم، والنظرات، والمشاعر لتترسخ فكرة العبور الدائم في الحياة نحو وجهات لا مؤشرات لها في الغالب ولكنها تحمل في طياتها تغييرا متفاوتا.
على مستوى الأسلوب يعتمد الفيلم على بساطة الحوار مع بعض الإحالات الفلسفية، وعلى إيقاع متأمل يسمح للمشاهد بأن يعيش الرحلة فيما يكثف الصمت بلاغة الاستعارات نخلق اللقطات الواسعة للفضاء التونسي إحساساً بالحرية الممزوجة بالضياع.
المشهدية تمضي على مهل بلا ملل ولا رتابة لأنها تلتقط التفاصيل الصغيرة كيد تمتد من نافذة السيارة لتعانق الريح وخصلة شعر تتطاير بين ثناياها، وضحكة تنفلت في ذروة التوتر.
الفيلم لا ينكر الصعوبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولا يحجب أزمة العقليات لكنه لا يثقل بها البناء الدرامي فهو يصور شابين أقرب ما يكون إلى الواقع يخطآن ويضحكان ويكملان السير.
تفاصيل مشرقة عن مرحلة غائمة من العمر، لا تحاكم فيها ولا تبرر، رجع صدى لحيرة جيلٍ كامل يقف على عتبة الحلم والخذلان، يبحث عن منفذ ويرغب في التحرّر من واقعٍ يضيق كلّ يوم أكثر.
بأسلوبها الهادئ والشفاف، تصنع آمال القلاتي فيلما يقتنص اللحظة الهشّة بين الطفولة والنضج، بين اليأس والأمل، بين الحلم والواقع وفي زمن يملؤه الضجيج والصراخ تنساب أحداث الفيلم لتذكرنا بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة وأن جيل الثورة مازال قادرا على توليد المعنى على وقع خطواته.
حين ينتهي الفيلم، لا نعرف إن كان مهدي وعليسة وصلا فعلا إلى وجهتهما المنشودة ولا نعرف إن كان الطريق قد أجاب عن أسئلتهما، لكننا نعرف أن شيئاً ما تغيّر، وأن القلاتي أفلحت في تحويل اليومي إلى شاعري، لا شيء خارق في الحكاية، لكنها جعلت من التفاصيل الصغيرة مادةً قادرة على ملامسة الأسئلة الكبرى.
“وين ياخذنا الريح”، رحلة وعي، تمرّ عبر الجسد والخيال والذاكرة، وتستقرّ في مكانٍ لا نراه، لكنه يسكننا، هو مانفستو حرية تجاور فيه الجمالية والتمرد ونتجلى تلك المسافة الدقيقة بين الواقع والحلم حيث تحاول سينما الطريق ترتيب الفوضى وتمنحنا القدرة على المضيّ، مهما تاهت الاتجاهات.