مصر/الجونة_ على يسار المدخل إلى مركز الجونة للمؤتمرات والثقافة، تلمع ابتسامتها التي تعرف طريقها إلى القلوب، يسرا بفستانها الأسود البرّاق، تطالعك من صورة ضخمة تفيض إشراقا كأنها تدعوك بلمعة عينيها إلى رحلة عبر الزمن، حيث لا تنطفئ الكاميرا ولا تسكن الحكاية.
نخطو الخطوة الأولى، فتنغلق خلفنا الأبواب وتنفتح الذاكرة على مصراعيها، فيما تتجلى ستائر شفافة من السقف، تتبدّل عليها وجوه يسرا بشخصيات من الأفلام التي مرت بها.
من ستارة إلى أخرى تمضي كما لو كنت تعبر طبقات سيرتها، من البدايات إلى ذروة المجد، من الحلم إلى الشاشات وتلوح على الجدران معلقات الأفلام، أفيشات قديمة تستعيد عبقة السينما المعتقة وأزياء أصلية ارتدتها يسرا في أدوارها.
وفي عمق القاعة، يمتد المعرض كخيط من النور الذي ينير محطات مختلف في مسيرتها وتظهر إكسسواراتها الخاصة التي تحمل أثر الشخصيات التي سكنت فيها، وأفيشات أفلامها التي صنعت ذاكرة جيل، وصور توثّق لحظاتها مع النجوم والمخرجين والمبدعين الذين شاركوها الحلم.
وفي زاوية مضاءة بخفوت حميم، تتدلّى صورها خارج الكادر، وهي تضحك أو تودّع مشهدا، فيشعر الزائر أنه يسير داخل ذاكرة امرأة صارت عنوانا لمهنة التمثيل في مصر ومابعد حدودها.
وفي قلب القاعة، تتوسّط شاشة بانورامية ضخمة المشهد، تُطلّ على الزمن كأنها نافذة سحرية، تتوالى عليها لقطات من أبرز أفلامها: يسرا تضحك في “الإرهاب والكباب”، تبكي في “الراعي والنساء”، وتغني في “كافيه شوكولا”.
تتبدّل المشاهد كأنها حلم طويل، كل لقطة تحمل رائحة زمنها، وكل انتقالة ضوئية تعيد تشكيل ملامحها في ذاكرة الزائر الذي يرجع إلى أيام الزمن الجميل ويعيش داخل ذاكرة ممتدة من الفن على مدار خمسين عامًا من الأضواء.
وسط القاعة، حيث تتراقص الإضاءة على المعروضات من حلي وجوائز ومجلات وصور، تظهر ثلاثة فساتين بارزة تخطف البصر منذ الوهلة الأولى، الأول أحمر قانٍ، يحتفظ بحرارة المشهد الذي ارتدته فيه في فيلم “الإرهاب والكباب”، حين جسّدت شخصية هند أمام النجم عادل إمام.
أما الثاني، فهو ذهبيّ لامع من فيلم “طيور الظلام” حيث أدّت دور سميرة، المرأة التي تنتمي إلى عالم يلمع بالسلطة والغرور، وأما الثالث، فهو فستان أحمر فخم ارتدته في مسلسل “سرايا عابدين” حينما جسّدت خوشيار هانم، تلك السيدة التي تحكم بالصمت والنظرة، وتختبئ وراء أقمشة الملوك.
في ختام الجولة، وأنت تغادر المعرض، تشعر أنك لا تغادر المكان بل تغادر فيلما طويلا يختزل مسيرة فنانة متأصلة في السينما على مر خمسة عقود من الشغف، من الأدوار التي صنعت ذاكرة المشاهد العربي.