إلى ذكرياته الأولى مع المخرج المصري يوسف شاهين حملنا المخرج المغربي داوود أولاد السيد حينما شرع أبواب ذاكرته ليروي تفاصيل اللقاء الأول بينهما في ندوة حوارية أدارها الناقد المصري أحمد شوقي بمهرجان الجونة السينمائي.
القصة تعود إلى سنة 1997 حينما صافح اولاد سيد شاهين للمرة الأولى في مهرجان البحر الأبيض المتوسط للسينما في المغرب وكان حينها مصورا يقتفي أثر الملامح والتفاصيل ويملأ مخيلته بالضوء والظلال.
يوسف شاهين كان من بين المكرمين في المهرجان وألقى بالمناسبة محاضرة وجدت طريقها إلى قلب داوود أولاد السيد لما لمسه فيها من تلقائية وعفوية، على حد تعبيره.
ومن هنا انطلق تأثير شاهين المختلف والمتفرد في مسيرة أولاد السيد لمّا باح له في مطعم شعبي مغربي بفكرة فيلمه التي تدور حول راقص يتقلب بين الذكورة والأنوثة فأعجبته.
“إن لم تصور هذا الفيلم سأسرق الفكرة” قال شاهين لأولاد السيد هذه العبارات التي كانت من بين أسباب المضي قدما في منح الحياة لفيلم “باي باي السويرتي” الذي أخرجه وأنتجه عام 1998.
“باي باي السويرتي” عرض في مهرجان الجونة السينمائي ضمن فعاليات الاحتفاء بالمخرج يوسف شاهين وبصمته الجمالية والفكرية والإنسانية في المشهد السينمائي العربي وأثره في مسيرة أجيال من المخرجين.
الفيلم يظهر كمرآة متشظية يعكس فيها العربي ذاته المعلقة بين رغبته في الانعتاق وبين خوائه الداخلي، فهو لا يروي الهجرة فحسب بل يقص مسيرة إنسان عربي فقد ظله، ولم يعد يعرف في أيّ أرضٍ يقف، ولا لأي حلمٍ ينتمي.
الحلم عند العربي ليس سوى محاولة لتضميد عجزه بالخيال، ولتغطية الشقوق التي تتسع في واقعه كل يوم بصورةٍ جميلة ومؤقتة عن الحرية والنجاة بالرحيل إى الضفة الأخرى التي تستحيل قطعة من الجنة.
بدءا من عنوانه يربكنا الفيلم فالسويرتي هي كل إحالة إلى لعب الحظ والفضاءات العامة التي يركن إليها الأفراد ليرفهوا عن أنفسهم وأما الكلمة ذاتها فتعني الحظ باللغة الإسبانية فهل نحن بصدد توديع الحظ قبل المشهد الأول؟
27 سنة مرت على صناعة هذا الفيلم، لكنه يروي مأساة الإنسان المعلق بين الحلم والواقع في كل الأزمنة وفي كل الأوطان التي لا تستوعب الاختلاف من خلال كاميرا داوود السيد التي كانت ومازالت تسنطق الجماد.
أسلوب هذا المخرج الذي ما انفك يشق نهجه الخاص الذي لا يلتقي فيه إلا مع ذلك المصور الذي كانه في البدء، يمعن في رصد دقائق التفاصيل، يصور الشقوق والتواءات الأزقة وأثر الشمس والسنين على الوجوه.
والحرية ثيمة قارة في أفلامه، تتسرب من بين الكادرات الرحبة التي يضمّنها في المشاهد ليقطع بها مع الكادرات الضيقة الوجيزة التي تحيل إلى الكبت وزواله، وإن كان “ربيع” بطل الفيلم لا يحلم بالحرية وفق سياق نمطي إلا أنه حر في جسده.
كل ما يريده هو أن يكون جزءا من الحلم الأمريكي الذي استبد به وصار رديفا للفرص التي لا تعترف بالحدود، من أجل ذلك لا يصور لنا الفيلم وطنا كالأوطان التي نعهدها بل صورة عنه.
حالة من التيهان يعيشها في المنطقة الفاصلة بين شخصيته الحقيقية وشخصية “حنان” التي يرتديها على ركح ألعاب الحظ ولكنها لا تخلو من التصالح مع الذات والثبات في وجه الأفكار النمطية والأحكام المسابقة.
ربما الحلم الأمريكي يطغى على عقله حتى أنه بالكاد يتفكر في الكلمات والإيماءات التي يحذفه بها الآخرون لا سيما “العربي” الذي يتخبط هو الآخر بين ما يعتمل في صدره وبين الصورة الوهمية التي يصدّرها للآخرين.
وفي المقابل تظهر شخصية “قاسم” منطوية وغير قادرة على التخفف من الوجع حتى رحيلها ولكنها لا تتخلى عن سطوتها الوهمية في إدارة الأمور من حولها ولا تنجح في رأب الصدع مع الابن “العربي”.
إلى قائمة المشاعر الذكورية المعطوبة تنظاف مشاعر أنثوية تظهر مع نزهة التي تمثل الوجه الآخر للعجز: امرأة تعيش على صدى الكلام ولا تلامس الأفعال وتغرق في الذكريات حتى تنسحب شيئا فشيئا من الواقع.
الكاميرا في الفيلم لا تصوّر ما هو قائم وظاهر بل تخبّط الذات العربية وهي تتمسك بتصديق وهم هش بأنها قادرة على الحلم خارج أطر الهيمنة ومعادلات البقاء للأقوى والأكثر حضورا في المشهد.
وكل الأحداث تمرّ عبر الصور، وكل صورة تجسد الأحلام بعيدة المنال وتراكم الكذبات في محاولة لإلباس الكذب رداء الحقيقة، وتنأى الصورة عن دورها الرئيس في التوثيق إلى التزييف.
وعبر صورة قديمة في بيت “نزهة” يدرك “ربيع” الذي سقط في شراك وهم الحب، أنه ظل لغائب يشاركه الملامح، ولا تحمل هذه الذكرى حقيقة الغياب داخلها بل ترسخ غيابها وتعطي معنى للانتظار.
بين الصور التي تستعير دلالات أخرى يغدو الحلم الأمريكي استعارة كبرى للغواية البصرية التي تحكم العصر العربي، لكن داوود أولاد السيد لا يتركنا أسرى هذه الغواية، وفي عمق الصحراء، حيث الجفاف يعري كل شيء، تتكشف هشاشة الصورة أمام قسوة الفراغ.
وفي المشاهد التي تجمع “ربيع” و”نزهة” تختار العاطفة الصمت تعبيرة وكأنها تخبرنا أنها ضاقت ذرعا بالأحاديث العربية المستهلكة، ويتقاطع الحلم بالوهم، والوجود بالنسخة وتتناثر الأسئلة عن إمكانية أن يزهر الحب في مكان عقيم وأن تنبت الهوية وسط حالة اغتراب واستيلاب.
في ظاهره يبدو الفيلم بسيطا، لكنه ينساب كتيار تحت الرمل، كلّ لقطة تخفي ما بعدها فداوود أولاد السيد لا يستعجل السرد، بل يراهن على الصورة ويعتمد على الضوء الطبيعي إلى حدّ التطرف.
الشمس تستأثر بالإضاءة، والظلال تتكثف في الوجوه، وفي الجدران، وفي العيون التي لا تجرؤ على النظر طويلاً في اتجاه واحد، وهذا الاختيار ليسا تقنيات فحسب بل جزء من أسلوب المخرج الذي يجيد تعرية الهشاشة وتحويل السكون إلى سيل من المعاني.
وفي المساحة المفتوحة المطلة على الخلاء، تمتد اللقطات طويلا حتى تشعر أنك داخل الفراغ نفسه، وتتلاشى الفواصل بين الواقع والحلم، بين الممكن والمستحيل في هذه البيئة القاسية.
إيقاع بطيء مقصود يعتمده داوود أولاد السيد ليجعل الزمن مرئيًّا لا شيء يحدث فيه فجأة، فيما يبدو الحوار قليلا ومقتصدا، يملؤه الصمت الذي يمنح الشخصيات عمقها ، لا سيل من الكلمات فقط بل هي مواجهة في قلب العراء.
الإخراج متقشّف في الظاهر، لكنه مفعم بالإيحاء، يتحول معه اليومي إلى تأمل طويل، الكادر ثابت في أغلب الأحيان، الحركة قليلة، والألوان باهتة تميل إلى التراب والكاميرا تراقب أكثر مما تقترب.
حتى الموسيقى، حين تتتبدى، تأتي خافتة، كأنها صدى بعيد من حلمٍ قديم، لا شيء في الفيلم صاخب، كل التفاصيل تهمس على نسق بساطة قد تُربك المشاهد الذي ينتظر حدثا واضحا أو ذروة درامية، لكنها هي التي تمنح العمل فرادته.
فـ”باي باي سويرتي” لا يروي قصة بقدر ما يلتقط حالة هي حالة الانتظار : انتظار الرحيل، انتظار التغيير، انتظار ما قد لا يأتي، وفي كل مرة نتوهم تشكل القادح، يعود الإيقاع إلى هدوئه الأول، كأن الزمن نفسه يرفض التقدّم.
إنه أسلوب داوود السيد الذي ينهل من الواقعية التأملية، من التصوير في الطبيعة المفتوحة، والاشتغال على الضوء عنصرا دراميا وجماليا مما يجعل الفيلم محكما من حيث البناء البصري.